
وافقت السلطات الكندية على إعطاء سيدة من إحدى الدول المجاورة للوطن.. “حق اللجوء الإنساني”.. وذلك بعد أن أيقنت السلطات الكندية أن الحقوق الإنسانية لتلك السيدة منتهكة.. بفعل الممارسات اللاإنسانية التي ترتكب بحقها كسيدة وكامرأة.. لا كمواطنة وفرد وحسب.
كان ذلك في سياق خبر أوردته إحدى الإذاعات في مجمل تعليقها على أن دولاً كثيرة مثل كندا.. أصبحت ترى أن من واجبها ولأسباب إنسانية بحتة فتح المجال أمام الراغبين في طلب لجوء تكون دوافعه إنسانية لا سياسية..
قد لا يخفى على أحد أن إنسانية الإنسان العربي إجمالاً منتهكة وفي أكثر من مجال. وإننا جميعاً لو قدمنا التماساً للجوء الإنساني لجاءتنا الموافقة على الفور، لكن إنسانية المرأة، كانت وستبقى الأكثر انتهاكاً. ولا سيما في بعض الدول التي أصبحت ترى في الأحكام والشرائع الإسلامية.. احتكاماً وشرائع منزلة على المرأة.. دون غيرها من أفراد المجتمع.. وأن خروج المرأة من البيت.. ودخولها في معترك الحياة إلى جانب الرجل.. هو السبب الرئيسي وراء عوامل التفكك والانحلال التي تشهدها المجتمعات العربية الآن.. وأن الحل الوحيد لإصلاح المجتمع وإعادته إلى الطريق السليم.. لن يكون إلا بإعادة المرأة إلى البيت أولاً.
فعلى الرغم من أن مشروع إنشاء الهيئة العامة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. لم يتضمن بعد الدعوة إلى فرض أحكام وقيود على المرأة فقط.. ولم يشمل بعد دعوى لإعادة المرأة إلى المنزل.. فما زالت دعوة الهيئة الإصلاحية دعوة عامة موجهة إلى المجتمع بأكمله إلا أن التجارب المشابهة لمشروع الهيئة.. تؤكد أن جزءاً كبيراً من جهود الهيئة سيكون موجهاً إلى إصلاح المرأة.. دون غيرها.. وبحيث تتقلص جهود الدعوة للمعروف والنهي عن المنكر.. إلى دعوة المرأة للحجاب.. ونهي المجتمع عن إشراكها في نشاطه.
لقد جاءت الدعوة إلى إقامة مشروع الهيئة فيما بعد تجربة الغزو الآثم.. ليس بسبب ازدياد انحراف المجتمع عن خط الدين الحنيف.. وإنما بعد أن عاش أفراد المشروع.. تجربة دول أخرى إبان الغزو.. يتمتع فيها القائمون على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. بصلاحيات كثيرة تجيز لهم استخدام ما يرونه مناسباً وضرورياً لإصلاح المجتمع.. حتى وإن كان ضرباً حقيقياً.. أو توبيخاً علنياً.
وعلى الرغم من إصرار دعاة مشروع هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أن مشروعهم لا يتعارض مع الدستور الذي أكد على صيانة الحريات بكافة أشكالها.. وتأكيدهم على أنهم لا يتجاوزون بدعوتهم الحريات الشخصية.. إلا أن تجارب دول أخرى في مشاريع مشابهة لمشروع الهيئة قد سجلت انتهاكات عديدة للحرية الشخصية.. خاصة في أمور تحتمل النقاش والحوار كالحجاب والنقاب على سبيل المثال.. والذي يرى فيه البعض أمراً فرض فرضاً على المرأة يرقى في أهميته إلى فرائض الدين الخمس.. بينما يرى فيه البعض الآخر شأناً خاصاً.. وحرية شخصية لا يجوز تجاوزها.. يكون حكم من تركها حكم المسلم العاصي.. لا المسلم الكافر الخارج عن شريعة الله.
إن عملية الخلط بين تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية.. وحرية الفرد العقائدية والشخصية.. سواء في تجارب غيرنا من الدول.. أو في مشروع الهيئة الآن.. قد أدت وكما ستؤدي بنا إلى نتائج تعسفية مرتجلة.. لن تستطيع الصمود طويلاً.. وذلك قد أدى في تلك الدول ذات التجربة الرائدة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. إلى تجاهل الموضوعات الحساسة التي تحتاج إلى جهد حقيقي وإبداعي من دعاة تطبيق الشريعة.. وهي كذلك ستؤدي بنا إلى معالجات سطحية ومشوهة لقضايا المجتمع الأساسية.
إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تلك الدول يملك كل الحق والذي تكفله له الهيئة في أن يوقفك ويسألك عما يثبت علاقتك بمن هم بصحبتك.. وهو كذلك يملك الحق في استخدام العنف اللفظي والجسدي للنهي عن تبرج امرأة.. أو لباسها.. أو لأمر رجل بإقامة الصلاة، بل هو يملك الحق في اقتحام منزلك إذا ما أشتبه بمنكر يستوجب النهي. وهي كلها حقوق تكفلها له مساعيه الرامية إلى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية.
قد يدافع البعض هنا بأن كل ذلك ما هو إلا استباق للأحداث.. وخطأ في فهم مقاصد الهيئة.. وتلك مقولة بودنا لو يصدق بها القول لكن الواقع يقول خلاف ذلك.. ولو بحثنا فقط في محاضر جلسات مجلس الأمة.. لنرى كم من الوقت استغرق نقاش حق النقاب من عدمه، وكم من الوقت أعطي لقضايا الوطن الأخرى.. لوقفنا على الدوافع الحقيقية حول الدعوة لتطبيق الشريعة.
حسناً.. فلنتصور أن جهود الهيئة قد تمت مباركتها وأشرفت على التطبيق.. ما هي حدود المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية؟ هل ستشمل قضايا الوطن السياسية والاقتصادية وهل سيعني ذلك إلغاء التجربة الديمقراطية باعتبارها -بدعة – علمانية.. أم سيعني ذلك إغلاق البنوك باعتبارها “ربوية”.. أم سيقتصر عمل الهيئة على الزي النسائي المناسب.. والبرامج الدينية التعليمية.
لو أن لبس الحجاب.. وإغلاق المسارح.. وحرق محلات الفيديو ومنع السينما.. ستجعلنا نعيش مجتمعاً صالحاً.. يرفل بالأمن والأمان.. والاستقرار.. فسنكون جميعاً أول البادئين بإلغاء ذلك كله.. غير نادمين عليه.. لكن المعضلة هنا ستبقى.. أننا ننشد عصر الرسول c والخلفاء الراشدين ونود العودة إليه.. بينما في مقدورنا أن نعيش هذا العصر.. ولو عرفنا فقط كيف نعيش بتسامح الرسول c وحكمة خلفائه. فنبي الأمة لم يؤجل غزوة.. ولا جهاداً.. لكي يفتي في حجاب.. ولم يتجاهل ظلماً واقعاً.. ولا انتهاكاً لحقوق المسلمين.. ليحقق في مسلك رجل.. فإلى الرحمن وحده تعود كل الأعمال.. وهو وحده يجزي بها.
