الأرشيف

حق الشارع

[جريدة القبس 19/3/2019]

كل الاحترام والتقدير للدكتورة الفاضلة فاطمة حمادة، التي استطاعت أن تخترق جدار الخوف من سلطة بعض النواب، وتطلق صرختها ضد التدخل السافر من قبل هؤلاء في عمل المجلس الطبي العام واللجان الطبية التابعة لوزارة الصحة!
هذه صرخة واحدة في وادي الفساد السحيق، الذي تشكلت فيه مئات الطحالب التي تقتات وتتغذى على مناخ ملوث من المحسوبيات والواسطات واختراق القوانين وخرق أبسط قواعد العدالة في مبدأ تكافؤ الفرص والحقوق للمواطنين جميعاً وعلى قدم المساواة، فاجأتنا صرخة الدكتورة فاطمة حمادة، ونحن لم نفق بعد كمواطنين من فساد الأسفلت، الذي أفشته أمطار السماء لتكشف سوءَة المفسدين ومؤسستهم السوداء، حتى أصبحنا كالذي اعتاد على تجرع علقم الدواء، ولم تعد أخبار الفساد والنهب والخراب وتجاوز القوانين سوى مانشيتات صحافية، فنقلب الصحف ونغادرها بمجرد الانتهاء من القراءة!
مضى أكثر من أربعة أشهر منذ ألقت السماء أثقالها وأخرجت للعلن عفن المفسدين حجارة وصخوراً تتقاذف مرتادي الطرق كل يوم، ولم نسمع حتى اللحظة سوى الشكاوى التي شاركنا فيها المسؤولون رغم مواقعهم في سلم القرار! فالكل يشكو من كارثة الحصى المتطاير والأسفلت المكشوف والمناقصات المنهوبة والشركات الفاسدة وأموال تحت الطاولة وفوق الطاولة وغير ذلك الكثير! لكن كل ذلك لا يعني المواطن بشيء، فالشكوى لن توقف الحصى، والخطب الرنانة لن تصلح حال الأسفلت، فما يعني المواطن بالدرجة الأولى هو حقه في شوارع نظيفة متناسقة، آمنة الركوب.
هنالك خصوصية في كارثة الأسفلت المضروب، فبينما تخص بعض قضايا الفساد قطاعات محددة في المجتمع، يأتي الشارع كملكية للجميع، فحق الطريق هو حق لكل مواطن، فهو الشريان الذي يوصل المواطنين ببعضهم وبأعمالهم، وبشؤونهم اليومية، والمواطن المنهمك في روتينه اليومي لا يعنيه توقيف شركات عن العمل، أو حجب مناقصات عن بعض المسؤولين المتورطين في الحدث، أو إقامة لجان تحقيق في الكارثة الأسفلتية، ما يعنيه فقط هو حقه في طرق معبدة بشكل فني محكم وصحيح، وحرية تنقّل آمنة لا تشكل خطراً ولا ضرراً في ممتلكاته ولا على حياته، لا يهمه كم من الملايين ستُنفَق لإصلاح الشوارع، فالجميع على ما يبدو أصبح مستسلماً لحقيقة الفساد، وأن نصف الميزانيات المعلنة ستهدر في هذا الوادي السحيق! مطالب المواطن اليوم هي حقه المشروع في شوارع آمنة!
ومثلما حدث في وزارة الصحة حين أطلقت الدكتورة فاطمة حمادة صرختها في وجه الفاسدين، نتمنى أن نسمع استغاثة أو صرخة شجاعة مماثلة من وزارة الأشغال تعيد للشارع هيبته، وللمواطن حقه في طرق آمنة وحقوق مشاة ملموسة.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى