
توفي طفلان فلسطينيان من البرد، في مركز (السلوم) الواقع على الحدود المصرية الليبية، أحدهما في العاشرة والآخر في الثانية عشرة من عمره وهما ينتميان إلى عائلتين من مجموع ثلاثين عائلة فلسطينية كانوا ينامون في العراء بعد أن أبعدتهم ليبيا إلى مصر التي رفضت بدورها استقبالهم قبل الحصول على موافقة إسرائيل بالسماح لهم بدخول أراضي الحكم الذاتي!! توفي الطفلان أما الآخرون فما زالوا يعيشون في ظروف جوية سيئة.. بينما لا تزال المباحثات والاتصالات عالقة بين مصر وليبيا وإسرائيل بهدف تسوية مشكلة تلك العائلات!!
جاء ذلك في خبر مقتضب ذيل إحدى صفحات جريدة “الحياة” بينما خرجت الصحف في ذلك اليوم بعناوين بارزة رئيسية وداخلية تندد باستمرار اختفاء الوزير الليبي السابق “الكيخيا”.. وذلك في ذكرى سنة على اختفائه!
قد لا ينكر أحد منا اللاإنسانية واللاعدالة اللتين تمت بهما عملية اختفاء أو اختطاف الوزير الليبي، غير أن الهوة السحيقة التي تفصل ما بين ردود الفعل (الإنسانية) تجاه الحدثين هي أمر ولا شك يتطلب منا كبشر، وقفة تأمل حقيقية وجريئة تجاه عمليات التسييس القائمة، التي ألمت بأبسط مبادئ حقوق الإنسان، والتي أقسمنا جميعاً على أن نحترمها ونأخذ بها، بل وعقدنا من أجلها المؤتمرات التي خرجت بقوانين وتعهدات تكفل الحماية للمدنيين وتعفيهم من أعباء تنافس الساسة في ما بينهم، ومن الصراعات السياسية والعسكرية الدائمة!!
مع بداية عقد التسعينيات تفجرت صراعات عنيفة ودموية، يدفع ثمنها مدنيون عزل، أطفالاً ونساء وشيوخاً، وتدمر معها مقدرات وثروات دول ومجتمعات كثيرة!!
وهي صراعات غالباً ما تتفاوت مسببات اندلاعها، فمن أسباب عرقية، إلى عقائدية، أو تاريخية إلى جغرافية!! خاصة بعد أن انهارت المبررات التي كانت عنواناً ثابتاً يُسخر في تبرير أي صراع أو تدخل ينشأ إبان مرحلة ثنائية القوى.. والتي حكمت العلاقات بين الدول والشعوب، وأباحت استنزاف النفس البشرية، منذ بدايات القرن الحالي.. أما الآن، وقد أصبحت الولايات المتحدة بمثابة القيم والعمدة على ما جرى تسميته بـ”القرية الصغيرة”. نسبة إلى انصياع العالم لمعايير وقيم وقوانين واحدة يسنها (عمدة القرية).. تفرضها عوامل الانفتاح التي (مزجت) الشعوب والأمم!! الآن، أصبح الشق الأضعف من العالم، يبحث عن مبررات جديدة للعنف والتدمير!! أما شقه الأقوى، فيبحث في قوانين الأرض عن تشريع يبيح له الهيمنة والسيطرة.. وأصبحت بذلك المبادئ العامة لحقوق الإنسان، مادة خصبة ومنفذاً واسعاً، لمن يبحث عن مبرر للقتل والحرب!! وأصبحت الحقوق البشرية من أبرز مقومات الانضباط والالتزام لشروط الانتماء (للقرية).. وذلك بلا شك مبدأ إنساني لا غبار عليه.. لو أن الدافع الإنساني البحت كان محركه!! ولو أن الهيئات المعنية بمراقبة درجة الانضباط تجاه الحقوق البشرية، وتقييم أداء الدول تجاه تلك الحقوق، كانت هيئات ومؤسسات مدنية خالصة.. ليس وراءها دافع.. أو محرك سياسي..
حقوق الإنسان، شأنها شأن أخلاقيات كثيرة، عنوان مفتوح تتداخل فيه عناصر عديدة!! وتختلف مقاييسه ومعاييره لدى كل مجتمع ودولة!! فبينما يأتي الحق السياسي وحق الرأي والتفكير كأحد الحقوق الأساسية للفرد في الدول الصناعية والغربية!! تأتي حقوق أخرى، كحق الحياة وحق المسكن والمأكل، لتتصدر أساسيات لدى دول فقيرة.. وبين شعوب تتضور جوعاً وبرداً يصبح معها الحديث عن حرية الرأي أو الفكر نوعاً من الرفاهية، والترف!! وعلى الرغم من أن لا أحد ينكر على أي شعب من شعوب العالم حق الرأي والفكر الحر!! غير أنها دعوة تحمل نوعاً من السخرية خاصة إذا ما كان صاحب الحق جائعاً أو خائفاً!!
لقد كان من شأن المتغيرات الجذرية التي عصفت بعالمنا مع دخول تسعينيات هذا القرن، أن وعي الكثير وأدرك أهمية وضرورة الالتزام بالمبادئ الأساسية للحقوق البشرية!! وضاعف من ذلك الاهتمام إدراكنا جميعاً كبشر لاحتمالات الخلل في ظروف الاستقرار واليسر والتي تطالنا جميعاً.. مما يعني ضرورة استقرار المبادئ الأساسية للحقوق البشرية في ضمير الإنسان ووعيه وإدراكه الأخلاقي!! وهو أمر لا يمكن تحقيقه دون أن يكون للبشر كل البشر حق ملموس في ما سنته الأمم المتحدة آنذاك من حقوق، أعلنتها كمبادئ أساسية للحقوق البشرية!! وهي بذلك، أي الأمم المتحدة، تجابه الآن تحدياً قاسياً.. يطال مصداقيتها كهيئة دولية، خاصة أن عمليات التسييس المستمرة لمبادئ حقوق الإنسان تخرج من تحت مظلتها وتنطق باسمها!! فالأمم المتحدة أصبحت تدين العراق لانتهاكه حقوق الإنسان.. الآن وبعد حربها معه على الرغم من أن أشرس عمليات انتهاك سجلت للحقوق البشرية التي اقترفها النظام العراقي، كانت في ما قبل حرب الخليج!!
وإيران أصبحت الآن متجاوزة حقوق الأقليات الدينية!! على الرغم من أن مجازر (الشاه) في الإمبراطورية السابقة كانت مثالاً للعنف ولانتهاك حرمة الحياة البشرية.. ناهيك عن حقوقها الأخرى!! والسودان.. وليبيا ورواندا.. كلها شواهد.. على انحراف المبادئ التي أقرتها الأمم المتحدة عن مسارها وهدفها الصحيح!!
احترام الحقوق الإنسانية مبدأ سام ورفيع، يتطلب من دول العالم بمؤسساته المدنية وقفة جدية للحد من محاولات دمجه في الصراعات السياسية القائمة!! فالسياسة لها متغيراتها ودوافعها والتي لا تخضع لها الحقوق البشرية!! وحتى تخرج حقوق الإنسان من أطروحاتها المثالية عليها أولاً أن تصبح واقعاً لأولئك الذين يتأملونها كترف ورفاهية لاحق لهم فيه!!
