الأرشيف

حقوق الانتهاك

[جريدة القبس 8/3/1994]

لم تثر مجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل ومقتل المصلين الركع أمام أعين المراقبين حفيظة القائمين على حماية الإنسان وحقوقه، بقدر ما أثارت المخاوف من عرقلة مسار المفاوضات العربية – الإسرائيلية. وهي مخاوف شارك في التعبير عنها الجاني كما المجني عليه ممثلاً برئيس منظمة التحرير الفلسطينية.. والذي بدا حريصاً من التأكيد على وجوب استمرار المفاوضات..
مجزرة الحرم الإبراهيمي ليست أول اختراق لحقوق الإنسان الأساسية كالحق في الحياة، وإنما سبقها الكثير من المجازر، والتي ترددت منظمات حقوق الإنسان ولجانه في إدانتها.. أو حتى إبداء ردود الفعل المناسبة تجاهها. وهو أمر لا شك يضاعف من شكوك المشككين بفعالية وجدوى مثل تلك الهيئات والمنظمات الدولية التي تحمل على عاتقها الحفاظ على الإنسان وحقوقه. في كل مرة تثار فيها قضية حقوق الإنسان تتصاعد معها تساؤلات كثيرة حول مدى مصداقية وحياد المراقبين والقائمين على تطبيق تلك الحقوق. خاصة بعد أن أصبحت دول كثيرة تعاني من حصار ومقاطعة دولية.. كعقاب لاختراقها حقوق الإنسان المتفق عليها، والتي ينص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في أعقاب نهاية الحرب العالمية الأولى.
على الرغم من أن تاريخ إعلان حقوق الإنسان يعود إلى تلك الفترة، إلا أن التركيز على هذه الحقوق والتأكيد عليها أصبح ولا شك معلماً من معالم النظام العالمي الجديد.. أو عالم ما بعد الحرب الباردة. وأصبح اختراق تلك الحقوق أو انتهاكها مبرراً لتدخل القوة الأعظم في شؤون دول أخرى.. كانت وإلى زمن قريب تحتمي بنظام الثنائية العالمي الممثل بالقوتين العظميين.
لا شك أن حقوق الإنسان شأنها شأن الأخلاقيات والمثاليات مسألة في غاية التعقيد.. خاصة مع الاختلاف القائم في الثقافات والمعتقدات ومما هو مرتبط بالدين والعقائد.. وهو أمر جعل الكثير من دول العالم الثالث على وجه الخصوص.. تتدافع إلى التشكيك بصحة وحقيقة نوايا دعاة الحقوق من العالم الغربي.. وهو أمر ولا شك قد لاقى قبولاً لدى شعوب العالم الثالث.. لكونه يحمل جزءاً كبيراً من الحقيقة.. حيث أن حقوق الإنسان باتت قناعاً تتخفى وراءه أغراض ونوايا لا علاقة لها بالإنسان وحقوقه.. خصوصاً مع تباين واختلاف مقاييس الانتهاكات.. وبالتالي ضرورة فرض العقوبات من دولة إلى أخرى.. ولأسباب بعيدة جداً عن ذلك الحقوق.
في عالمنا العربي.. هنالك ليبيا والسودان والعراق.. المتهمون دائماً بانتهاك واختراق حقوق البشر.. وعلى الرغم من أن هذه تهمة لا ينفيها أحد عن تلك الدول.. إلا أنه وبحسب مقاييس اختراق الحقوق الإنسانية، فإن دولاً أخرى يمكن أن يشملها الاتهام.. وبالتالي العقبات. لذلك، فلا عجب إذاً أن يتذمر نظام الحكم في السودان من قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة.. والذي يدين السودان بانتهاكه لحقوق الإنسان.. مما جعل الإعلام الرسمي في السودان يكيل اتهاماته لواقع المتاجرة بحقوق الإنسان، مؤكداً أن أسباب الحصار الدولي غير المعلن هو أساس بسبب العصيان السوداني والتمرد على النفوذ الغربي.
واعتراض أنظمة العالم الثالث على مشاريع الحفاظ على الإنسان وحقوقه.. يتفق وإلى حد كبير مع دوافع الاعتراض السودانية.. وحيث ترى تلك الدول أن مفهوم الحقوق البشرية – وكما هو سائد الآن – هو بلا شك مفهوم جاء مترجماً للثقافة الغربية.. بحيث أصبح أي اختلاف ثقافي أو اصطدام عقائدي مع أي بند من بنود تلك المفاهيم الغربية، يعتبر تجاوزاً سافراً وانتهاكاً لحقوق البشرية.
لقد خاض الغرب حروباً طويلة.. ودخلت دوله في آتون صراعات طاحنة، قبل أن يستقر به الحال إلى إعلان مبادئ حقوق الإنسان بينما لا يزال عالمنا العربي.. والشرق أوسطي في قمة مخاض الصراع والتطاحن في طريقه لشق حدود وتضاريس مستقبلية جديدة. بمعنى آخر، وإن عالمنا الآن يعيش تجربة الغرب التي قادته إلى الاعتراف بتلك الحقوق.. والتأكيد على وجوب صونها والحفاظ عليها.
الغرب الآن، وانطلاقاً من منطق القوة والنفوذ، يريد للعالم الثالث أن يبدأ بالنتيجة.. دون أن يخوض غمار التجربة.. وذلك أمر مخالف ولا شك لمنطق التجارب البشرية.
فالإيمان بالحقوق البشرية لا يمكن أن يفرض فرضاً.. ولا يخالف مبادئ تلك الحقوق الأساسية.. خاصة بعد أن أصبح الحفاظ على الحقوق البشرية وصونها مبرراً كافياً لإشعال حرب كما في الصومال.. أو حتى لخلع رئيس وتعيين آخر وكما يحدث في دول أمريكا اللاتينية.
لا شك أن انعدام رد الفعل من دعاة الحقوق البشرية تجاه مجزرة الحرم الإبراهيمي.. يتفق تماماً مع الأساسيات التي ينص عليها برنامج العمل في لجان وهيئات حقوق الإنسان.. ولا عجب إذاً – وتحت مفهوم كهذا – أن يبارك العالم حزم وشدة بأس دعاة الحقوق في تنديدهم عن ضحايا مركز التجارة العالمي.. واستنكارهم للحكم الذي صدر على المؤلف البريطاني (سليمان رشدي).. بينما يموت المصلون وهم ركع سجود.. والعالم يتأمل بصمت.. لا يشوبه سوى مخاوف من عرقلة مفاوضات السلم!! بينما يمارس الإسرائيليون حقهم الشرعي في الانتهاك!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى