
وسوف نعمل معاً.. آل غور وأنا لكي تصبح لأمريكا من جديد سياسة خارجية ترتكز على القيم الأمريكية عن الحرية والاستقلال وحقوق الإنسان.. تلك كانت فقرة من خطاب الرئيس الأمريكي “كلينتون” بمناسبة ترشيحه لنائبه “آل غور”، فلقد أكد الرئيس الأمريكي.. وفي أكثر من مناسبة عزمه على تحقيق (الحلم الأمريكي الجميل) بتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان في المناطق المحرومة من العالم.. وخاصة بلدان العالم الثالث بما فيها منطقة الشرق الأوسط.. وهو يرى كذلك أن “إسرائيل من بين جميع بلدان الشرق الأوسط.. هي البلد الوحيد الذي عرف الانتقال السلمي للسلطة عن طريق الاقتراع. وليس بطلقات الرصاص” لذلك فهو يرى أن من ضمن مهامه الأساسية أن – لا تخذل إسرائيل أبداً – ويواصل تأكيده على ضرورة إحلال السلام في منطقة الشرق الأوسط.. فيقول “إن السلام الذي لا يوفر أمن إسرائيل لن يكون سلاماً آمناً ودائماً”. إلى أن جاءت قضية المبعدين بأبعادها الواضحة كمثال صارخ على حقوق الإنسان المنتهكة في هذه المنطقة.. ولتعطي صورة حقيقية عن ماهية حقوق الإنسان على الطريقة الأمريكية.. وعن الحدود التي يشملها (الحلم الأمريكي الجميل) بتحقيق الاستقرار والسلام في المنطقة.. والذي أثبتت طريقة التعامل مع قضية المبعدين.. أنها لا تتعدى حدود الحقوق الإسرائيلية: فعلى الرغم من أن عام 91.. هو عام السلام بمقاييس السلام الأمريكي.. حيث شهد هذا العام نهاية الحرب الباردة.. وما تلاها من محاولات لإنهاء كل إفرازاتها وذيولها بما في ذلك الصراع العربي – الإسرائيلي. فقد بارك النظام العالمي الوليد الجهود الدولية التي ساهمت في جلوس المفاوضين العرب والإسرائيليين على طاولة المفاوضات.. ولأول مرة إذا ما نحن استثنينا سلام (السادات) المنفرد. إلا أن تفجّر قضية المبعدين وأبعادها التي خيمت على محادثات السلام.. لم تثر الشكوك حول إمكانية الاستمرار في محاولات تحقيق السلام وحسب.. وإنما صاحبتها شكوك حول حقيقة النوايا التي أطلقها النظام العالمي الجديد ومدى عدالته في التصدي لقضايا العالم. فلقد تلقى العالم الذي تأمّل خيراً بانتهاء صراع الحرب الباردة.. وولادة عالم جديد.. تلقى بوجوم وخيبة أمل قرار مجلس الأمن الدولي الأخير.. والذي تبنى الاتفاق الإسرائيلي – الأمريكي الذي سمح بإعادة المبعدين الفلسطينيين بالتقسيط وشعور الصدمة وخيبة الأمل تلك.. كانت ناجمة عن إمكانية تجزئة حقوق الإنسان التي ينادي بها النظام الدولي الجديد.. عندما يستدعي الأمر التطبيق الحقيقي لها. وأن احتمال التراجع عنها سيكون وارداً إذا ما استدعى الأمر الحفاظ على أمن دولة دون الأخرى.
لعلّ من أهم الأحداث التي شهدها العام 91 إلى جانب تحرير الوطن والظروف التي خلّفها.. هو عملية تحرك الدبلوماسية الأمريكية لتسوية القضية الفلسطينية.. والصراع العربي – الإسرائيلي.. ونظراً لتزامن الحدثين فإن الكثير من التحليلات السياسية تشير إلى العلاقة المباشرة ما بين تحرير الوطن.. وإنهاء الصراع العربي – الإسرائيلي.. فكلا الحدثين كان بالإمكان إعاقة تحقيقهما في حال استمرار التنافر بين المعسكرين الأقوى في العالم.. وكلاهما أيضاً تحققا بمباركة وقيادة أمريكية.. وهنا يبرز التناقض في الموقف الأمريكي من المبعدين والمهجرين الكويتيين إبان الغزو والذين كانوا جزءاً من القضية الكويتية.. وبين المبعدين الفلسطينيين والذين هم جزء من الصراع العربي الإسرائيلي.. وعلى الرغم من أن التعامل مع كلا القضيتين جاء بقرار من مجلس الأمن.. إلا أن اللمسات الأمريكية كانت هي الغالبة والبارزة.. ففي حين جاء التعامل مع قضية المبعدين الكويتيين قائماً على احترام حقوق الإنسان التي تنادي بها السياسة الدولية الجديدة.. والتي يتحقق بها (الحلم الأمريكي الجميل) بإقامة عالم جديد.. كان التعامل مع قضية المبعدين الفلسطينيين أبعد ما يكون عن حقوق الإنسان بصفته الآدمية.
قد يكون القدر.. وقد يكون النفط.. وقد يكون الموقع الاستراتيجي قد تكون أي من تلك العوامل أو جميعها قد ساهمت في يقظة الضمير العالمي تجاه قضية الوطن.. ودفعت بالنظام العالمي الجديد وعلى رأسه الولايات المتحدة إلى التعامل إيجاباً مع قضية الوطن.. إلا أن ما يجب علينا هنا التنبه إليه على ضوء قرار مجلس الأمن الأخير بشأن المبعدين. أننا وكما كنا أول الناجين بفضل النظام العالمي الجديد.. علينا أن نكون أول المتيقظين والحذرين لثوابت ومتغيرات النظام العالمي الجديد.. والتي قد يكون من شأن متغيراتها قلب الموازين والدوران بواقع 180 درجة.
لقد حاول الكثيرون إثارة الشكوك حول نزاهة القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن الدولي إبان احتلال الوطن.. ومن كونها قرارات تتبنى الموقف الأمريكي والذي لم يكن مشهوراً أبداً بعدالة مواقفه.. وبالرغم من أن الوضع الذي كان قائماً.. وحقيقة الاعتداء كانت جلية واضحة.. إلا أن سرعة التعامل مع ذلك الواقع أثارت الشكوك حول إمكانية التعامل بنفس القدر من العدالة والسرعة تجاه قضايا العالم الأخرى.. إضافة إلى مشاعر الكراهية والحقد تجاه الوطن.. من قبل أصحاب القضايا المعلقة في العالم.. والذين رأوا أن هناك تحيزاً واضحاً في سرعة وأسلوب التعامل مع القضايا الإنسانية في العالم.
وإذا كان العالم قد أثار حقيقة هذا التمييز في أعقاب حرب تحرير الوطن.. ورفضه العالم بكونه إدانة للنظام الدولي الوليد حينذاك.. حين لم يتم التعامل بالمثل لنجدة ثورات الشمال والجنوب في العراق.. والتي كانت تنذر بتدهور حقيقي نحو الفوضى والحرب الأهلية التي قد تفتح أنهاراً من الدم يصعب إيقافها.. إضافة إلى تجاهل مأساة الأكراد في أعقاب انتهاء حرب الخليج الثانية، إذا كان الضمير العالمي قد شكك بنزاهة المنظمة الدولية وقراراتها في ذلك الحين.. فإن تلك الشكوك قد أصبحت الآن حقائق ملموسة.. وذلك بضعف موقف المنظمة الدولية تجاه الوضع في يوغوسلافيا والصومال.. ثم تجاه المبعدين الفلسطينيين في آخر قرارات الأمم المتحدة.. والذي جاء كدليل على عدم دوليتها وعدالتها.
هناك كثير من أبناء الوطن.. ممن عارض مساندة قضية المبعدين.. أو حتى إصدار قرار إدانة لإسرائيل على ما اقترفته بشأن مدنيين عزل.. استناداً إلى الموقف الفلسطيني الذي آزر العدوان إبان احتلال الوطن.. ولسنا هنا بصدد مناقشة جواز مؤازرة المبعدين أم لا.. بقدر ما هي محاولة لتأكيد أن السلام وحقوق الإنسان مسألتان لا يمكن تجزئتهما.. وأن الإصرار على إقامة عالم جديد يسعى إلى التنمية بدلاً من التدمير.. هي مسألة نهج يتبعه العالم بأكمله.. وتجاه كل القضايا الإنسانية على اختلافها.. فمثلما كانت قضية الوطن بالأمس حجر عثرة في سبيل السلام.. وانتهاكاً لحقوق الإنسان.. فقد يأتي الغد بتحول في الشروط.. يصبح معها تأجيل قضية الوطن هو الحل الأضمن نحو السلام العالمي.
لقد كانت قضية الوطن أولى الاختبارات للنظام العالمي الجديد.. وإن كانت الصخرة التي تحطمت عليها العلاقات العربية.. وتفرعت بتفرع المواقف تجاه غزو الوطن.. فهل تكون قضية المبعدين الفلسطينيين آخر الاختبارات لعدالة النظام العالمي الجديد؟ وأول الطريق نحو علاقات عربية أفضل تجتمع على إدانة الموقف الدولي من قضية المبعدين العرب؟!!
