
غداً تصادف ذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي صادقت عليه الأمم المتحدة في العام 1948، يأتي كما أتى دائماً في عالم يتمرد على أبسط الحقوق الطبيعية للبشر، ووسط حروب تنتهك حق الأرض والزرع والناس.
لقد جاء إعلان حقوق الإنسان كردة فعل على الانتهاكات التي حدثت إبان الحربين العالميتين الأولى والثانية. كما جاءت اتفاقيات أخرى كثيرة تسعى جميعها إلى صيانة وحفظ الحق البشري. فكانت اتفاقية مكافحة جرائم الإبادة عام 1948، والاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية عام 1953، وأخرى كثيرة.
وعلى الرغم من عدالة ومشروعية ما جاء في الوثيقة العالمية للحقوق البشرية، إلا أن كثيراً من دول العالم الثالث، والتي ترزح تحت سياط الدكتاتوريات والأنظمة السياسية الجائرة، تتطلع إلى بنود الوثيقة كحق قاصر على الدول الغنية والدول الصناعية والمتطورة تكنولوجياً وإدارياً، مما أثر سلباً على مصداقية الإعلان، وجهود تنفيذه دولياً.
لا شك في أن مبادئ حقوق الإنسان المدونة في الإعلان، تعتبر طرحاً نظرياً لأسلم السبل في التحول نحو الديمقراطية والليبرالية والاقتصاد الحر والمنفتح، ومن هنا فقد ارتبطت تلك الحقوق دائماً بالمجتمعات الديمقراطية، بمعنى أن المناخ الديمقراطي – كما أكدت تجارب الدول – هو المدخل الأساسي نحو تحقيق أي من الحقوق الأخرى، حتى إن كانت حقوقاً أساسية كالحق في الحياة مثلاً: وهو أمر جعل دول العالم الثالث ترى في الإعلان هوية غربية، وتنظيراً لا أساس له على أرض الواقع المعايش.
لقد كانت قضية الأولويات دائماً ولا تزال قضية جدلية في تنفيذ حقوق الإنسان. فبينما ترى مجتمعات أن حق التعبير كتابة وقولاً، هو من الحقوق الأساسية، تأتي مجتمعات أخرى لترى في هذا الحق ترفاً ورفاهية، فلا تطمح إلى أكثر من حق البقاء والحياة، وحق الحماية من العنف الجسدي والاعتقال والتعذيب.
بل لقد اختلف كذلك فلاسفة الأخلاق من قبل في تحديد أولويات الحقوق البشرية. فبينما يرى “هوبز” في حق الأمن أولوية، يأتي “جان جاك روسو” ليرفع حق الحرية، كأول الحقوق وأهمها. أما “جون لوك” فإنه يرى في حق الملكية، أولوية طاغية.
وبغض النظر عن الخلفيات والمراجع الفلسفية لحقوق الإنسان، فإن الواقع والتجربة يقولان بأهمية تلك الحقوق، ويقران بصعوبة البناء المجتمعي السليم والصحيح دون الأخذ بهذه الحقوق كأساس لتشييد أي مجتمع بشري، خاصة إذا ما نحن أدركنا بأن الصراع والعنف هما أساس العلاقة بين الأفراد، صراع الملكية والمصلحة، وعنف البقاء والاستمرار، مما يتطلب اتفاقاً بين أفراد المجتمع الواحد، يحمل في طياته تنازلاً يقر به الفرد في سبيل بناء نظام اجتماعي سليم.
حقوق الإنسان في العالم العربي مغيبة لأسباب تتفاوت بين الوعي بأهمية تلك الحقوق وبين إنشاء قنوات سليمة لتطبيق وتنفيذ الحقوق. فحقوق الإنسان في خلاصتها، ما هي إلا تنظيم للحقوق الطبيعية المكتسبة، وصياغتها في مشروع مدني يستند إلى قوانين ومرجعيات موثقة وصارمة.
لقد كان الحديث عن الحقوق البشرية، ولا يزال في مجتمعاتنا العربية، حديثاً منفصلاً عن واقع الفرد العربي. بل كثيراً ما كان يأتي مشوباً بروح الدعابة والنكتة، لكونه سلوكاً غريباً ومتعالياً، يؤمن به ويعمل في مجاله أهل الترف من نخبة المجتمع ومترفيه. وهو أمر لا شك محزن ويدعو للأسف. وقد تعود أسبابه لعدم جدية الطرح، أو لانغلاق العاملين في مجال الحقوق عن قضايا الفرد والمجتمع الحقيقية، وعن أزماته وهمومه الأساسية. المثل يقول “اشتدي يا أزمة تنفرجي” والتاريخ يتحدث عن مائة عام من الدم والعذاب والعبودية والخوف.. دفعتها فرنسا، قبل أن تعلن تحررها من رق ملوكها، وتدشن أول مشاريع الدفاع عن الحق الإنساني، ورغبة الإنسان في الانعتاق والتحرر تتزايد وتتضاعف كلما تزايدت أزماته واستعباده، فلا ظلم يبقى دائماً، ولا ظالم يظل خالداً. فالحرية تكون نزعة ملحة.. كلما كان الاستعباد أمراً طاغياً، وعندها فقط يصبح الحق حقيقة لا حلماً!!
