
هناك حكاية انتشرت في المجتمع المصري منذ فترة تحكي عن أن الأديب نجيب محفوظ أوقف سيارته المتواضعة، “نصر” وهي صناعة مصرية، أمام سيارة إحدى الراقصات الشهيرات والتي كانت “رولز رويس” وحين رآها أحدهم علق ساخراً بأن السيارة “نصر” هي نتاج للأدب، بينما السيارة الـ “رولز رويس” هي نتاج “لقلة الأدب” حسب تعبيره!!
وعلى الرغم من أن هذه الحكاية قد لا تعدو كونها نكتة ساخرة، إلا أنها تحمل دلالات ومؤشرات تناقض خطيرة لما بحوزتنا كمجتمع بشري من مسلمات ومبادئ أساسية في الأخلاق، ولما نتعلمه ونعلمه لأبنائنا من مثل وقيم نعتبرها بديهية تماماً!
ولعلَّ ذلك هو الجانب المؤثر والحرج جداً في فضيحة الرئاسة الأمريكية مؤخراً!!
فالمفروض، على الأقل وفقاً لمنطق المسلمات والبديهيات الأخلاقية المتعارف عليها في المجتمع البشري كله، أن تخرج الأطراف المتورطة في هذه الفضيحة بخسائر معنوية أو مادية!!
وهو ما لم يحدث على الإطلاق، بل على العكس من ذلك تماماً “فالمتدربة لوينسكي” خرجت بمكاسب لم تكن تحلم بها، إن كان على المستوى المادي أو المعنوي!! فلقد أصبحت ورقة رابحة ومطلوبة في عالم الإعلان، والأزياء بل وحتى في عالم الأدب والكتاب!! وتلقت دعماً معنوياً من أطراف كثيرة! وكذلك فلقد خرج الرئيس الأمريكي محققاً قبولاً وتعاطفاً كبيرين من المجتمع الأمريكي!! الذي غفر للطرفين خطيئة الخيانة، وغفر للرئيس خطيئة الكذب!! لعلنا نتذكر جيداً جملة الرئيس الأمريكي بوش إبان فترة الغزو، والتي كان يكررها في كل مرة يتحدث فيها عن الأزمة، أو عن صدام حسين!! حين كان يقول أن الدرس الذي يجب أن نتعلمه من غزو صدام حسين للكويت، “أن الجريمة لا تؤدي إلى ربح”، وأن المجرم لا بد أن يصبح خاسراً!! وهو بالتأكيد ما لم يحدث كما رأينا ونرى الآن!! بل على النقيض من ذلك تماماً، رغم مرور كل هذه الفترة الزمنية منذ كارثة الغزو، إلا أن المجرم بالذات هو الذي لم تطله الخسارة!! فبينما الجميع يقف الآن ليحسب خسائره، سواء من الشعب العراقي، أم من دول الخليج أم كان على المستوى العربي والإقليمي بشكل أوسع!! فإن صدام حسين يبقى الوحيد (الرابح) في هذه المعادلة!! ويكفيه ربحاً استمراره وبقاؤه على الرغم من كل عوامل الضغط من حوله، وعلى الرغم من وضوح جريمته التي لا جدال حولها، بل لقد تضاعفت أرباح جريمته مع تقادمها، وأوشك الكثير أن يغفر له، بل وخرجت محاولات وتصريحات عديدة من دول أصبحت لا تخفي رغبتها في التعاون مع نظام حكم، وحاكم مجرم بشهادة الجميع!! إذاً، وكما تشهد الأحداث بذلك، فإن الجريمة قد تفيد في بعض الحالات!! وسواء كانت جريمة صدام حسين أم خطأ المتدربة “لوينسكي” أو كان ذلك في خطيئة الرئيس الأمريكي!! فإن أسلوب التعامل مع هذه الحالات أصبح مبعث شك وخوف وأسف!!
لا نريد أن نقر ونعترف بأن الجريمة قد تفيد في بعض الأحيان!! فذلك اعتراف خطير، قد يربك أولوياتنا الأخلاقية بصورة تجعلنا نفشل حتى في تنشئة أبنائنا!!
وهو ما يدفعنا لأن نكون، وكمجتمعات بشرية أكثر حزماً في التعامل مع الجريمة والمجرمين!! وإذا كان نصيب نجيب محفوظ من الأدب رصيداً مالياً متواضعاً، وسيارة أكثر تواضعاً، في مقابل العائد الأوفر، والسيارة الأفخم التي وفرتها “قلة الأدب”!! فإن حساب الفائدة من الجريمة بهذه الصورة لا يكون قاعدة ولا يجب أن يثنينا كمجتمعات متحضرة ومنظمة عن الإصرار على التمسك، بهيكلنا الأخلاقي العام، والمطالبة بقوانين حازمة وفاعلة ترعى ذلك الهيكل وتدافع عنه!!
