الأرشيف

حرية الشباب.. سقفها السماء

[جريدة القبس 31/5/2021]

أحداث غزة الأخيرة، وحادثة الشيخ جراح، وتفاعلات الشباب العربي معها بشكل عام، والزّخْم المعلوماتي الهادر لكل ما يتعلّق بحراك الأراضي المحتلة، مثل هذه التداعيات والمشاهدات وقبلها الكثير، تدفعنا دفعاً اليوم للتساؤل حول شكل الانتقال الجيلي القادم، وعمّا لو أنه سيكون أكثر صِدامية وعنفاً من عمليات سابقة لانتقال مُماثِل بين أجيال قديمة وحديثة.
هنالك بلا شك عوامل قد تكون أحياناً طارئة في المجتمع أو في الظروف السياسية أو الثقافية السائدة، قد تُعطي صبغة مختلفة أو مميزة لعملية الانتقال من جيل إلى جيل، فالستينيات مثلاً شهدت ثورات وحروباً عنيفة، كالثورة الطلابية في عام 1968، والحرب في فيتنام، ومَطالِب المساواة في أمريكا مما شكّل مخاضاً ومناخاً أفرز جيلاً كاملاً من الرافضين والمعارضين لكل معتقدات آبائهم وقِيَمهم، سواء السياسية أو الفنية أو العقائدية، وبحيث شهدت تلك الحقبة صِدامات وصل بعضها إلى درجة كبيرة من العنف الجسدي والفكري.
العَصف التكنولوجي الدائر اليوم، الذي ولّد سلطة جديدة لا مقر لها سوى في العالم الافتراضي، جيشها مُحصّن ببرامج وهاكرز، وإحداثيات، وتطبيقات، ولغة هجين بين اللغة الأم ولغات أخرى، إضافة إلى وسوم مُستَحدَثة حلّت محل لغة التخاطب والمشاعر التقليدية! مثل هذه السُّلطة تواجهنا اليوم، نحن جيل الآباء، بأسئلة بلا إجابات، أو بمعنى أصح بإجاباتنا نحن الذين لم نخضع لما يخضعون له اليوم من مثل هذا العصف الإلكتروني الرهيب.
في العام الماضي، فاجأ أحد الإعلاميين البارزين مشاهديه باعتراف فكاهي تمثّل في أنه حاول استكشاف صفحة ابنه على مواقع التواصل الاجتماعي، لكنه لم يفهم شيئاً فاضطر إلى الاستعانة بابنته لترجمة ما كتبه شقيقها بلغة غريبة تُسمّى “الفرانكو، آرب” أو “العربيزي”.
ورد ذلك المثال ضِمن تحقيق نشرته صحيفة “العرب” حول ضرورة تقبّل لغة الشباب، لكونها الوسيلة لِمَد جسر التواصل العائلي، وقد برّرت شريحة كبيرة من الشباب أسباب اعتمادهم على هذه اللغة بأنها أصبحت شائعة ومُستَعمَلة ومفهومة من القرّاء، فالحروف العربية في نظرهم عاجزة عن ذلك.
فإذا كان جيل اليوم قد استعان بأحرف مُميّزة لتوصيل أفكار يرى أن لغته الأم قد أصبحت عاجزة عن احتوائها، فهذا يقود بالاستنتاج إلى أن فجوة التواصل بين الجيلين تشمل ما هو أبعد وأعمق من مجرد حروف واردة في اللغة، فالموروث الثقافي والعقائدي اليوم أصبح على مَحك دائرة الحوار بين جيلين، جيل خرج من منظومة فكرية قائمة على العقيدة الدينية الراسخة والعُرف والتقاليد الاجتماعية كأساس ثابت له، وأمر مُسلّم به، وجيل جديد يرى أن ثقافة الآباء تلك مدعومة بحماية قبلية وطائفية وفكرية بعيدة عن مفهوم العالم الذي أصبح قرية صغيرة، مُتلاصقة الجدران بِفِعل شبكة من الاتصالات والمواصلات الإلكترونية الفائقة السرعة والانتقال.
لا يعني ما ذكرت هنا أن على مجتمعاتنا العربية التنازل عن هويّتها، أو نسف مُسَلّماتها وثقافتها، وإنما يتَطلّب الوضع الضبابي الذي نعيشه اليوم صياغة منظومة فكرية مُتجدّدة وقادرة على التقاء الجيلين من دون إلغاء لأي طرف منهما، وقد يقع الشَّق الأهم في هذه المُهمّة على جيل الآباء، فهُمُ اليوم مطالبون بالتكيّف مع مُستَجدات ومُحدَثات أصبحت تُشكّل فجوة بينهم وبين جيل الأبناء، التكيّف بمعنى خَلقْ بيئة للحوار، ولحرية الرأي، ولشهادة العِلم، ولمبدأ الشك والنقد والتفكير خارج القوالب والصناديق التقليدية.
المُحزن في الأمر هنا، أننا غالباً ما نلجأ لطروحات مثل ضرورة تغيير المناهج وطرق التدريس والنظام التعليمي في كل مرة تصدمنا فيها تداعيات الفجوة بين الجيلين، وبالطبع يكون الفشل هو النتيجة، لأن التجديد المطلوب ليس في المنهج التعليمي على أهمية ذلك، وإنما يجب أن يَطول منظومتنا الفكرية وبشكل يجعلنا لا نخشى الشّك ولا السؤال، ولا الرّفض، أي أن نتَحرّر أولاً من قيودنا العقلية قبل أن نُباشر الحوار مع جيل أصبح يرى في السماء سقفاً مفتوحاً لحدود حريته.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى