الأدب والثقافة والفنقضايا الوطن

حركة الكزبرة الاحتجاجية

بدعوة كريمة من الزميل الدكتور حامد الحمود العجلان، وبحضور ثري للعلاّمة الزواوي بغورة، رئيس قسم الفلسفة في جامعة الكويت، كان الحوار بثراء الحضور، وتجولت بنا النقاشات في شتى بحور الفلسفة والفكر والتأمل.
تأتي مسألة الوجود كأبرز القضايا الفلسفية، التي كانت ولا تزل حاضرة وبقوة في كل أدبيات الفلسفة، ومع كل الثقافات، وبما فيها جلستنا المختَصَرَة تلك، ولعلها اليوم في قمة اهتمام العامّة، وليس الفلاسفة وحدهم، فالتغيّرات التي شهدها العالم في العقود الثلاثة الماضية، من عصف تكنولوجي رهيب، تدخّل حتى في الوجود الجسدي والفسيولوجي البشري، إلى حروب عبثية، وإبادات جماعية، وتطهير عرقي وديني، وغياب لأبسط مقومات العدالة، في ظل واقع بشري عالمي كهذا، أصبح الكثير منا يلجأ للفلسفة باحثاً عن إجابات لأسئلة لا تُجيب عليها التبريرات والتحليلات التقليدية، التي نتابعها عبر الإعلام كل يوم.
حروب غزة ولبنان، والدموية التي سادت المشهد الإقليمي منذ أكثر من أربعة عقود، أعادت وبقوة سؤال الوجود العالِق منذ الأزل، خاصة في ظل حالة العجز عن التغيير والتأثير، وهي حالة أصابت الجميع اليوم ومن دون استثناء.
لطالما تنازَعَت الفلسفة الوجودية وجهَتين، الأولى طوباوية أو مثالية، ترى أن على الإنسان أن يصب جهوده وعمله لأجل قضية أو معركة تؤدي إلى عالم أفضل، والثانية عبثية أو عدمية، ترى أن كل الأمور محكوم عليها بالفشل، وبالتالي علينا ألا نُبالي بشيء، وأن نعيش الحياة ونغادرها بسلام واستسلام.
الشعور بالفراغ وعدم الجدوى والعجز عن التغيير أو حتى التأثير، هو شعور ضاعفَت منه اليوم ومن حدّته بلا شك، التكنولوجيا وتداعياتها ومفاجآتها، فنحن جميعاً لا نعيش ربط الماضي بالحاضر واستشراف المستقبل بناء عليه، وإنما نعيش عصر الخبر العاجل، والتغريدة الاستباقية، والفن الراكض، والنغمة السريعة، عصر لا حبكة محدّدة فيه، وإنما شذرات من كل نوع ولون، قضايا وأحداث لا رابط بينها في الغالب، وبالتالي لا بُنية صلبة يستطيع الرأي أو الرؤية الوقوف أو الاستناد إليها، أو حتى تحليلها بعقلانية ومنطق.
كل شيء، وبفعل سرعة التكنولوجيا، أصبح له حزب وفكر، ومنصّة ومحلّلون، وداعمون، ورافضون، إلى درجة أنه حتى الكزبرة أصبحت لها حركة جماهيرية تكافحها وتقف غاضبة ضدها، وتعتبرها “قرفاً” اجتاح العالم، ولمن يريد البحث في حركة الكزبرة الاحتجاجية، ما عليه سوى الاستعانة بمحرّك البحث غوغل تحت عنوان Ihatecilantro.com.
وفي ظل هيمنة التكنولوجيا هذه، كيف بإمكاننا أن نفهم مسألة أو سؤال الوجود الإنساني، هذا السؤال الخالد، الذي حفّز أدباء وشعراء وفلاسفة وسياسيين، وأفرز مجتمعات مُنتِجَة وثرية صحياً وجسدياً وعقلياً. يعيش العالم مثل هذه الهيمنة، وهو يتوجّس خوفاً كل يوم من أن يأتي نهار، يصبح فيه التحالف بين التكنولوجيا والإنسان أمراً واقعاً، وبعيداً عن أي معيار أو ضابط أخلاقي أو قيمي مما رسّخته الفلسفات البشرية عبر التاريخ.
في عالم أصبحت التكنولوجيا هي من يقود الإنسان والسياسة والثقافة والفكر والاقتصاد، لم يعد للإنسان ووجوده وعقله قيمة، ولم تعد أسئلة العقل البشري الخالدة حاضرة، ولم تعد الفلسفة قادرة على استدعاء سرديتها المعهودة في تفسير الوجود والمصير الإنساني، ولم يعد الفيلسوف طبيب الحضارة، كما وصفه نيتشه، وغدَت الحقيقة فقط فيها تشبه منصة X وتوابعها، مع كل ما يعنيه ذلك من انزلاق للإنسان ووعيه وعقله وكينونته باتجاه هاوية بلا قاع، مع استسلام انهزامي لجديد الآلة والتكنولوجيا، وقمع مشبوه لفردية الإنسان الخالدة، التي طالما ميّزته عن سائر المخلوقات، فردية قدرة العقل البشري على التفكير والمعالَجَة والاستدعاء، من خلال الفلسفة والتأمّل والوعي اللامُقيّد واللاموجّه.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى