
تشهد الساحة في إطار حملات الاستعداد لانتخابات مجلس الأمة للفصل التشريعي المقبل حرباً شرسة تهدد ليس فقط مسارنا الديمقراطي، وإنما ثوابت وحدتنا الوطنية التي كان لها الفضل الأول في تجاوزنا أبشع المراحل، مرحلة الغزو!
وعلى الرغم من أن البيان الصادر عن مجلس الوزراء في جلسته الاستثنائية كان صريحاً في إشارته إلى ضرورة الالتزام بما يكرس ديمقراطيتنا ويجمعنا منطلقين من الدستور والقضاء والإجراءات القانونية والثوابت الوطنية، إلا إنه لن يضمن تنافساً انتخابياً سلساً وناضجاً، وبعيداً عن أجواء الحرب التي يشعلها البعض هنا وهناك بحجة الحملات والندوات الانتخابية!
هناك أسباب أبعد وأعمق من مجرد تنافس انتخابي معتاد تشوبه الحدة والانفعال في بعض الأحيان، وهناك أيادٍ خفية تلعب وتحرك أجساداً وأصواتاً من خلف الكواليس بهدف تأجيج الأوضاع، وإخراج الحملات الانتخابية عن إطارها الطبيعي، وافتعال جدار حديدي يفصل الكويتيين، وبالتالي يستدعي مثل هذه الحرب الشرسة! لذلك فإن أي محاولة لتأمين تنافس انتخابي شريف لن تكون ناجحة ما لم يتم التعامل مع تلك الأسباب أولاً!
العبث بالوحدة الوطنية مشروع بدأت ملامحه بالتشكُّل بعد التحرير مباشرة، وهو أمر قد يدعو إلى السخرية، خاصة في ظل ملامح التآزر والتآخي بين الكويتيين والتي كانت من أبرز مظاهر الغزو!
فقد بدأت الحملة الخفية لتشويه معالم الوحدة الوطنية التي أشاد بها العالم كله، عند أول انتخابات تجري بعد التحرير، وبدأت مفاهيم خطيرة وشاذة عن المجتمع الكويتي بالانتشار، خاصة في فترات الانتخابات البرلمانية، التي ينشط فيها المخربون للوحدة الوطنية الذين بدأوا بالترويج لتقسيمة غريبة تفكك الكويت إلى ثلاثة مثلثات: للبدو مثلث، وآخر للشيعة، ومثله للحضر! ومنها انطلقوا لإشعال حرب باسم الديمقراطية وحرية التعبير والرأي!
لا ننكر أن هناك خلافات واختلافات داخل النسيج الكويتي، لكنها تبقى في الإطار المعقول الذي لا يمكنه أن يحدث شروخاً في النسيج والانتماء الكويتي! لذلك فإن ما نشهده اليوم من حدة في الطرح وتنافر في العلاقة، يؤكد أن هناك أيادي تقتات على بذر الفتن وتأجيج التنافر بين المواطنين!
أججوها في حادثة التأبين، ولعبوها في قضية إسقاط القروض، وإزالة التجاوزات والمساجد المخالفة، وهم اليوم يثيرونها في قضية المرشح الطاحوس!
إن تهدئة الساحة، وإعادة الحملات الانتخابية إلى مهمتها الرئيسية، أمر لا يملكه المواطن وحده مرشحاً كان أم ناخباً، وإنما هي بيد السلطة والحكومة التي بات عليها التعامل مع أسباب الانفلات والخروج عن حدود العملية الانتخابية والحملات الترشيحية، وليس مع المظاهر المترتبة على مثل هذا الانفلات!
فالأمور لا تحتمل ما نشهده من حرب انتخابية، إلا إذا كان هناك من يضمر تحويلها إلى معركة بقاء!
