ملفات ساخنة

حرب العراق الثقافية

حرب العراق الثقافية

التقرير الذي نشرته جريدة “القبس” في الأسبوع الماضي، حول حال الثقافة في العاصمة العراقية بغداد مخيف ومرعب! ففي هذا التقرير يطرح مراسل “القبس” د. جمال حسين مقارنة بين طبيعة ونوع الكتب في المكتبات العراقية قبل “البعث” وبعده، حيث يروي كيف اختصرت لنا مكتبات بغداد والبصرة، قبل أن يتحكم البعث بالرقاب، كل ما جرى في الدنيا، فعرفنا في شوارعها وعلى أرفف مكتباتها من يكون نزار قباني وأنسي الحاج وجبران خليل جبران وطاغور، وقرأنا محاورات السياب في الآداب وتنوير نازك الملائكة وشجاعة أمل دنقل، وحرفية صلاح عبد الصبور! وقرأنا روايات العصر الذهبي لبلزاك وديستويفسكي وتولوستوي وهمنغواي، والأعمال الكاملة لسارتر وكامو وبيكيت، ولم يهدأ سيل المعرفة على نواحي الأرصفة البغدادية وعربات الدفع البصرية لماركس ولينين وماوتسي تونغ وهيغل وتشي غيفارا وسيد قطب ومحمد باقر الصدر.
مشهد مخيف ومؤسف لخصه مراسل “القبس” في تقريره هذا! يدفعنا إلى أن نتساءل: “على من يا ترى نلقي بمهمة إنقاذ العراق ثقافياً؟! وتلك ولا شك مهمة غاية في الأهمية والضرورة، ولا تقل إطلاقاً عن مهمة إنقاذ العراق سياسياً من براثن حزب البعث!
رفعة الجاورجي الذي ولد في بغداد عام 1926، ودرس العمارة في لندن، ومارس مهنة اختصاصه في العراق، وشغل أيضاً وظائف متعددة في العراق بالإضافة إلى التحاقه بجامعة هارفارد كأستاذ زائر! هذا المعماري المبدع أخرج كتاباً في العام الحالي 2003 بالتعاون مع زوجته “بلقيس بشارة”، التي ولدت في النجف، وحصلت على بكالوريوس في الأدب الإنكليزي من جامعة بغداد، والكتاب عبارة عن رواية تسجيلية بعنوان “جدار بين ظلمتين”، يحكي فيه الزوجان تفاصيل الاعتقال والسجن في ظل حزب البعث السابق!
يقول رفعة الجاورجي في مقدمة الكتاب ما يلي: “لقد أقدمنا على تسجيل هذه الأحداث متمنين أن تؤلف ولو جزءاً ضئيلاً من الخزين المرجعي السياسي بمرور الزمن، ونحن نعتقد أن الفكر السياسي في العراق لن ينمو ويتطور وينضج ما لم يتكون خزين مرجعي صادق ومحلل للأحداث، نقول هذا لأن المجتمع العراقي عامة لم يزل لا يمتلك الخزين المناسب، ليتمكن من تفعيله والاعتماد عليه، وليتمكن من إحداث النقلة المتطلبة نحو الحداثة، حيث يتمتع المواطن بحقوق الإنسان، فهو مجتمع لم يزل تقليدياً في مرجعياته ومواقفه من الوجود، وأغلبه غارق في غيبيات وأساطير فات زمانها، وأصبحت تؤلف معوقاً فكرياً فعالاً يمنعه من مواجهة متطلبات الحداثة وقبولها والتكيف معها وتنميتها، هذا ما لم يقدم الكثير من المفكرين ويساهموا في تكوين خزين مرجعي سياسي وثقافي وفكري لكي يستطيع الإنسان العراقي الرجوع إليه بهدف الدراسة والتحليل، وينبني بالتالي على ذلك خزين مرجعي لفكر سياسي معاصر مع ممارسة متفاعلة مع هذه المرجعية”.
هنالك أكثر من أربعة ملايين عراقي، أغلبهم من المثقفين والفنانين والأدباء والشعراء خارج أسوار العراق! هؤلاء بيدهم وضع خزين مرجعي لفكر وثقافة وإبداع ينطلق منها العراق اليوم لهدم قلاع الجهل والتخلف التي شيدها نظام البعث السابق وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود! هؤلاء جميعاً يتحملون مسئولية البناء الثقافي والفكري الجديد لعراقهم الخارج من أتون الحريق والدمار.
لقد بدأ البعض في إعادة النظر فيما خلفه نظام صدام حسين من دمار وتشويه للبنية الثقافية والفكرية في العراق من خلال إعادة بناء المناهج التعليمية! وتلك هي المرحلة الأولى نحو إعادة تأهيل العراق ثقافياً، ويبقى العبء الأكبر والمسئولية الأكثر جسامة بيد مثقفي العراق وأدبائه وفنانيه لتحطيم معالم ثقافة البعث البائد، تماماً كما حطمت الآلة العسكرية تماثيل الدكتاتور!
ولتعود معها أغاني العصر الزاهي، وفنه الراقي، وتتألق من جديد مكتبات البصرة وبغداد بمؤلفاتها التي كانت تسخن وتذيب وتحرق وتنسج أشهر العبارات وأجسر الكلمات لتدشن بذلك أولى معارك حرب العراق الثقافية!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى