
نسبياً تُعتَبَر الكويت دولة حديثة معمارياً، وقد وفّرت الثروة النفطية مجالاً لتخطيط الدولة بشكل فني دقيق، حيث اعتَمَدَت أول مخطط هيكلي في عام 1952، وذلك بالاستعانة بخبراء عالميين لوضع أسس التخطيط العمراني الحديث، من أبرز معالمه توفير شبكة طرق حديثة، وتخصيص مناطق صحية كمدينة الصباح الصحية، والتي لا تزال تضم شبكة من المستشفيات بكل التخصصات، ومناطق تعليمية مثل ثانوية الشويخ، ومناطق صناعية، وهكذا. أما المناطق السكنية، فقد كان بعضها خليطاً من المساكن الخاصة والمساكن المدعومة حكومياً، إضافة إلى مناطق كالجابرية وحولي والسالمية فقد تم تخصيص بعضها ليكون استثمارياً، مع توافر كل الخدمات في كل منطقة، بدءاً بالمكتبة، ومروراً بالحدائق والجمعيات التعاونية، ووصولاً إلى المدارس ومراكز الشرطة والخدمات الحكومية وهكذا.
كان من المفروض، ووفقاً للمخطط الأصلي، ألا يتجاوز ارتفاع المباني المجاورة للشريط الساحلي فوق ثلاثة أدوار، وأن يفصل بين مدينة الكويت، الآخذة في التشكّل كمركز مالي وتجاري، وبين المناطق السكنية التي بدأت في التمدّد خارج نطاق السور، يفصل بينهما منطقة خضراء أُطلِق عليها، آنذاك، الحزام الأخضر، والذي تحوّل الآن إلى حديقة الشهيد الجميلة.
يمكن القول إن حديقة الشهيد، أو الحزام الأخضر سابقاً، هي المشروع الذي تأخّر ستين عاماً قبل أن يتم إنجازه الآن وبشكل جميل جداً، جعل منها، أي الحديقة، واجهةً لمحبي الطبيعة، والرياضيين، والمتأملين، وأصدقاء البيئة، وكل أشكال الطيور المهاجرة والعابرة لسماء الكويت.
تم افتتاح المرحلة الأولى من حديقة الشهيد في مارس 2015، وتبعتها المرحلة الثانية في 2017، وبانتظار افتتاح المرحلة الثالثة قريباً، وستكون هنالك مرحلة رابعة مستقبلاً. حديقة الشهيد تضم نصب الدستور، وساحة السلام، ومتحف لأهم المعارك في الكويت، إضافة إلى نصب الشهيد، والمكوّن من منحوتة زجاجية يبلغ ارتفاعها سبعة أمتار تم تشييدها لتكريم شهداء الكويت.
الأنشطة في الحديقة عادة ما تكون منسجمةً مع طبيعة المكان، فقد يعبرها ماراثون رياضي، أو تحتل زاوية منها أكشاك للأكل الصحي أو النباتات الخضراء، مسرحها الروماني يشهد حفلات موسيقية هادئة في الهواء الطلق، يفترش فيها الحضور الأرض أحياناً في انسجام مع طابع الحديقة الصديق للبيئة، وباستثناء بعض المقاهي القليلة لخدمة الرواد، فقد استطاعت حديقة الشهيد أن تحافظ على معالمها الخضراء والبيئية.
وبمحاذاة المساحات الخضراء وأشجار الزيتون، هناك بعض المشاهد ليس ملائمة للحدائق الخضراء، وقد يربك وجودها العصافير، ويزعج طالبي الهدوء والسكينة تحت شجر الزيتون والصفصاف، ومدمني القراءة تحت ظلالها، ولا سيما الإضاءة الفسفورية، في مكان يفترض أن يكون حديقة هادئة ووديعة، كما امتدت على أرض الحديقة إمدادات كهربائية لتغذية هذه الإضاءة، في مشهد شكّل إعاقة لحركة المتنزهين، خاصة من أصحاب الكراسي المتحركة من المعاقين والأطفال.
لكل مكان رواده، ولكل صنعة موقعها، والحدائق قطعاً ليست أماكن ضجيج، وإنما هي للهدوء والسكينة والتأمل والراحة النفسية والبصرية، وحين تتحول إلى سوق تجاري، تفقد الكثير من رحيقها ورونقها ودورها، فالحدائق أماكن للجمال والاسترخاء لا للضجيج والصخب والتنافس التجاري.
الحديقة في كل مكان في العالم هي مُتنَفّس عام لتخفيف ضجيج وصخب المدينة بمظاهرها المختلفة، والهدوء والسكينة في الحديقة يُشكّل احتراماً للطبيعة بشكل خاص، لذلك لا تُفسِدوا مُتنَفّس الكويت الأول، حديقة الشهيد الجميلة، الحلم الأخضر الذي طال انتظاره وعلى مدى ستين عاماً، فالطبيعة وإن كانت لا تتكلّم، فهي حتماً تتألم ويتألّم معها روادها المخلصون لها.
سعاد فهد المعجل
الكلمات المفتاحية:حديقة الشهيد-الثروة النفطية-الحزام الأخضر-التنافس التجاري
