الأدب والثقافة والفنقضايا الوطن

حديث الشيخ محمد

حديث الشيخ محمد

للتراث، فكراً كان أم أدباً أم فناً، قيمة معنوية قبل أن تكون مادية وملموسة، لذا فإن الأمم على اختلافها تسعى وتجتهد لأن تحافظ على تراثها وإبداعات أبنائها من المفكرين والملهمين والشعراء وغير ذلك.
وفي سبيل الحفاظ على التراث، قامت حروب ومعارك وعداوات امتدت عبر التاريخ، الحديث والقديم، وحدثت خلاله سرقات للتراث، كما حدث في سرقة إسرائيل للدبكة اللبنانية على سبيل المثال وللملابس الفولكلورية لأهل الشام بل وحتى الفلافل، هذه الأكلة الشعبية التي سرقتها إسرائيل ونسبتها إليها زوراً.
يأتي الفكر والشعر كأبرز موروثات التراث التي تشكل جسراً زمنياً يربط الماضي بالحاضر، ممتداً إلى المستقبل بل وكثيراً ما جاء التراث الفكري والشعري كأسلوب لتدوين التاريخ وحفظه، وكما هي الحال في الشعر والأدب الجاهلي الذي نقل لنا صوراً ناطقة عن الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للعرب في تلك الحقبة الزمنية.
ولا يشترط حفظ التراث والحفاظ عليه من التزوير والاندثار، أن نكون متفقين معه أو متقبلين لما يحويه، ولو كان الأمر كذلك لاندثر كل ما بحوزة التاريخ البشري، غير أننا وبكل أسف كأمة عربية وإسلامية نغالط ونخلط كثيراً فيما يتعلق بهذه المسألة، بدليل أن أغلب موروثاتنا الفكرية والشعرية والأدبية محفوظة في مكتبات أوروبية ومتاحف غير عربية وغير إسلامية، وذلك إيماناً من هؤلاء بحق البشرية بشكل عام في حفظ تراثها والحفاظ عليه وانتقاله نقياً بلا رتوش ولا زيف إلى أجيال الغد!
إلا أن (الشيخ) محمد العوضي لا يبدو متفقاً معنا في ذلك، خاصة وأنه لا يتوقف في برنامجه الرمضاني عن التعرض لرموز بارزة في تراثنا وتاريخنا العربي والإسلامي، وذلك في سبيل دعم أو إسناد رؤية خاصة أو حتى عامة ورأي عابر! آخرها كان في الحلقة التي تعرض خلالها لنقد كتاب الدكتور حسين أحمد أمين، حيث حاول (الشيخ) العوضي أن يروج ويدفع بآرائه فيما كتبه الدكتور أمين وذلك عن طريق تشويه رموز خالدة في الفكر البشري ولم يسلم من ذلك التشويه خالدون مثل طه حسين، حيث امتدح (الشيخ) محمد كتاباً لمحمود شاكر في نقد طه حسين، ويتمنى لو أن الكتاب يوزع في الجامعة لأنه يبين كيفية انزلاق الشباب وسقوطهم السهل في “شراك” الدكتور والعالم، على حد تعبير شيخنا الفاضل! ويغضب (الشيخ) محمد العوضي لأن كتاب الدكتور حسين أحمد أمين قد حاز جائزة في معرض الكتاب الدولي في القاهرة، وهو يرى في ذلك تلميعاً لن ينفع.
ثم ينتقي (الشيخ) محمد مقطعاً من كتاب “البحث في القمامة” لفهمي هويدي، الذي وجه سؤالاً إلى الدكتور أمين عن سبب تخصصه في تشويه التراث، خاصة في حديثه عن عمر بن عبدالعزيز، وهو حديث يرى فيه (الشيخ) محمد تركيزاً وعرضاً للسلبيات فقط!
وفي حديث (الشيخ) محمد يتساقط العلماء والبارزون والمفكرون ليصبحوا مجرد حثالات من التاريخ لا تستأهل الحفظ ولا التنويه، ويصبح العالم جان بول سارتر مجرد تائه لا يعي ما يقول، ولا يدرك أبعاد ما ينظر، أما عالم النفس سيغموند فرويد، صاحب أشهر نظريات التحليل النفسي وتداعيات العقل الباطن، فلا يعدو في حديث (الشيخ) محمد عن كونه معتوهاً يتلفظ بمغالطات من اللاوعي والجنس!
قد يكون من حق (الشيخ) محمد أن ينتقد ما شاء، لكن ليس من حقه أن يروج لنقد لا يحمل هدفاً ولا إسناداً، وأن يكون هدم ما بناه الآخرون وسيلته وأداته في بناء رأيه ورؤاه.
وأخيراً لا يجب أن يكون التلفزيون، كجهاز يشاهده الصغار والكبار، مسرحاً وساحة لمثل هذا النقد المشوه الذي قد يكون- والله أعلم- بعضاً من تداعيات اللاوعي لدى شيخنا الفاضل.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى