الأرشيف

حديث الدنيا.. والآخرة

[جريدة القبس 26/1/1998]

**عرض الشيخ محمد العوضي تلفزيونياً لشؤون المرأة في الإسلام كان يتطلب منه عمقاً أكثر لأنه تجاهل خاصية المرأة.. كما لم يخل حديثه من سخرية لرواد ورائدات عرب ساهموا في خدمة الإسلام والمرأة**
* * *
استعرض الشيخ محمد العوضي، في برنامجه الرمضاني التلفزيوني، وعبر حلقتين، بعضاً من القضايا النقاشية ذات الطابع الجدلي حول مكانة المرأة في الإسلام. والذين استمعوا لعرض محمد العوضي هذا لا شك قد أدركوا أن هنالك طرحاً هزيلاً لبعض “جدليات” المرأة في الإسلام، ليس من قبل الشيخ العوضي وحسب، وإنما هو طرح شبه متفق عليه ومتداول بصورة أصبحت تقتضي إعادة نظر، وتمعن في أسباب ذلك الطرح وفي السبل المثلى التي يمكن من خلالها إبراز الدور الحقيقي، والمكانة الحق للمرأة، وكما شرع بذلك الدين، وأعلنه الإسلام سواء على لسان وفعل رسوله c أو كما جاء في نهج الصحابة وأهل صدر الإسلام، تطرق الشيخ محمد العوضي لشهادة المرأة في الإسلام، وقانون إرث المرأة في الإسلام، وكثير من الحقوق والواجبات التي للمرأة وعلى المرأة في الإسلام!! وكلها قضايا حساسة طالما شكلت مدخلاً لأعداء الإسلام ليشنوا هجومهم ونقدهم للدين الإسلامي والعقيدة الإسلامية.
ومع ذلك فإن أسلوب وطريقة الشيخ العوضي في التطرق والحديث عن تلك القضايا، قد جاء في أحيان كثيرة بصورة تجاهلت تلك الخاصية، لم يخل حديثه من سخرية واضحة، لرواد وعلماء عرب، ورائدات عربيات لهن مساهمات وإصدارات خدمت الإسلام والمرأة، عرض الشيخ العوضي لشؤون المرأة في الإسلام كان يتطلب منه عمقاً أكبر، وبحثاً أوفى، واستعراضاً مجرداً وموضوعياً يتفق مع حساسية تلك المواضيع!! ففي إجابة له على سؤال لإحدى المتسائلات عن مغزى الحق الرجالي في الجنة من حور العين، التي بشر الله عباده بها وجعلها من مآثر الجنة ووعودها!! وعما إذا كان للمرأة حق مشابه!! إجابة الشيخ العوضي جاءت دنيوية بحتة بما لا يتفق وحواره الديني حيث يجيب الشيخ بأن الأسباب في ذلك بيولوجية بحتة وتعود إلى الفروقات الأساسية بين احتياجات المرأة من جهة واحتياجات الرجل من جهة أخرى!! لذا، فإن الشيخ العوضي في رده هذا، قد جاء بمقاييس دنيوية خالصة، ليفسر ويبرر على أساسها حكمة إلهية تخفى علينا نحن البشر!! فهو يستخدم حجة الفروقات الدنيوية (غير العادلة)، ليطبقها ويستخدمها في عالم العدالة الإلهية المطلقة، حيث تسقط كل الفروقات البشرية يوم يلتقي الجميع وتتمتع المرأة كما الرجل بعدالة الله!!
وبالأسلوب ذاته يتحدث الشيخ العوضي عن إرث المرأة، وشهادتها، وحقوقها الشرعية بل وحتى عن “حق” الرجل في ضرب المرأة، وتأديبها مستلهماً من اللاعدالة الدنيوية حجته وقرائنه!! قضية المرأة في الإسلام من القضايا الحساسة والتي استعرضها المدافعون عن الدين، كما أعداؤه ولم نر إلى الآن بحثاً مجرداً صادقاً لتلك القضية، يحسم الجدل حولها بالصورة التي تحفظ للإسلام روحه وللعقيدة تشريعاتها!! وهو أمر يستطيع الشيخ العوضي أن يساهم فيه ومن خلال القرآن ككتاب، والإسلام كتشريع!! خاصة وأن القرآن مليء بالبراهين والأدلة التي تستطيع أن تقف حجة وبرهاناً في وجه أعداء الدين، إذا ما كانت النية في الدفاع عن المرأة موجودة، والهدف كان دينياً وروحانياً خالصاً من الشوائب والأغراض الدنيوية الزائلة!! فلقد أبرز القرآن العلاقة المتكافئة بين الرجل والمرأة دنيوياً، حيث جاء القول: F ﵟهُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّﵞ ﵝالبَقَرَةِ : ﵗﵘﵑﵜ F والتي تحوي من الحجة عن تكريم الإسلام للمرأة، أكثر بكثير من أية الضرب غير المبرح، والسواك التي لا يمل شيخنا الفاضل من تكرارها وذكرها! خاصة وأن الآيات التي أعطت للرجل حق الضرب والزواج بأربع مثلاً كلها آيات تنص على أن القاعدة هي في اللاضرب، وفي الاستمتاع بزوجة واحدة لا بأربع، F ﵟخِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُواْ فَوَٰحِدَةًﵞ ﵝالنِّسَاء : ﵓﵜ F.
إن الحديث عن هذه القضية هو حديث يطول أكثر مما في وسع ومساحة مقالة قصيرة كهذه!! والواجب أمام الشيخ العوضي وغيره من شيوخنا الشباب والمثقفين أن يتحلوا بمزيد من التجرد الديني الخالص، لكي يستطيعوا أن يساهموا في الدفاع عن الإسلام، وفي دحض جدل أعداء الدين!! ويكفي بالإسلام عدالة وتجرداً أن كل خطابات القرآن قد بدأت بقوله تعالى: “يا أيها الناس”، كذلك قوله سبحاه “يا أيها الذين آمنوا” وهو خطاب لا شك موجّه للنساء كما الرجال، يعكس عدالة إلهية مطلقة، وسواسية إنسانية لا تفصيل فيها سوى بالعمل الصالح!! فهو خطاب دنيا وآخرة لا يخضع للفروقات والمقاييس الدنيوية البحتة!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى