
يأتي الحج في هذه الأيام كأبرز المواضيع التي يستعرضها خطباء المساجد، حيث يتحدثون عن الحج كمنسك من مناسك الإسلام، وعن مغزاه الرباني كأمر يؤكد طاعة العبد للخالق والتزامه بأوامره ونواهيه!
ومن ضمن ما يحرص عليه الخطباء في حديثهم عن الحج، تذكير الناس بالتجرد الواجب أن يتحلى به المسلم وهو يؤدي شعائر الحج، والإحساس العام بالسواسية وهم في ضيافة الرحمن! بالإضافة إلى مظاهر البساطة في الملبس والمظهر!
إن جزءاً كبيراً من مظهر الحج يعود إلى مشقته وصعوبة تأديته، وفي ذلك حكمة ربانية! فالناس الذين توافدوا على أداء هذا الفرض قدموا من أقصى بقاع الأرض، وعلى كل ضامر ومن كل فج عميق، يتوافدون وهم شعث غبر، يرجون رحمة الله، وينعمون بمساواة يعجز عن أن يحققها أي من المجتمعات البشرية!
اليوم، ونحن نستقبل موسم حج جديد نتساءل في أنفسنا عن تلك المظاهر الفريدة والتي غابت بفعل المبالغة في استعدادات حملات الحج وبسبب ذلك الإسراف في عرض المأكولات والهدايا وأسرة النوم والبوفيهات وغيرها مما يتنافس فيه أصحاب حملات الحج! ونسأل أنفسنا عن مدى شرعية أو جواز مثل هذا النمط المسرف في تأمين الراحة للحاج! وعما إذا كان مناقضاً لمغزى المشقة وتعب الأنفس الذي جاء ذكره في القرآن الكريم، وكان دوماً ملاصقاً لكل وصف للحج أو لحال الحاج، سواء في أحاديث الرسول c أو في القرآن!
نحن هنا لا نقول إن على حملات الحج أن تتقشف في استعداداتها، أو أن تبخل في توفير الراحة للحجيج، وإنما نقول بضرورة أن تكون تلك الاستعدادات متناسقة مع ما يعنيه الحج من تجرد وشفافية وما يحمله من روحانية تنتشل الإنسان من عالمه المادي والدنيوي البشع!
أخيراً، أعلن وكيل وزارة الأوقاف المساعد د. عادل الفلاح أن الوزارة ستضطر إلى التدخل في أسعار حملات الحج، وذلك بعد الشكاوى والمقترحات التي تلقتها الوزارة بسبب رفع أسعار الحملات بصورة دفعت بعض هذه الحملات إلى التلاعب في الإجراءات التي تشترطها المملكة العربية السعودية، باعتبارها الدولة المضيفة لحجاج بيت الله الحرام!
قد يكون من الصعب على الدولة أو وزارة الأوقاف تحديد استعدادات حملات الحج أو منع تلك الحملات من الإسراف في تلك الاستعدادات! لكن ذلك لا يعني أن تقف سلبية تجاه ما نراه من تسابق مادي مسرف في دنيويته، خاصة بعد أن انعكس هذا الإسراف والبذخ على مقدرة الكثير من الراغبين في تأدية تلك الفريضة، بعد أن باعدت بينهم وبينها طموحات أصحاب الحملات المالية.
المطلوب من وزارة الأوقاف تطوير آلية تتيح لها مراقبة مثل هذا الإسراف في تجهيز الحملات، وتنظيم أوجه البذخ فيها.
فالحاج بحاجة إلى نزهة روحانية تنقي نفسه من مباهج الدنيا، وليس إلى نزهة ترفيهية تعزز لديه إغراءات الدنيا وكمالياتها.
هو بحاجة إلى غذاء روحاني يصله بخالقه ويرتقي بروحه وعقله، وليس إلى أطعمة وبوفيهات وعصائر ممتدة طوال اليوم يتبلد معها ذلك الارتقاء الروحاني!
الحاج بحاجة لأن يفوز برضا الله ونعيمه وغفرانه، وليس للفوز بجوائز وهدايا الحملات من عطور وغيرها.
لم يعد الحج، وبكل أسف، مناسبة لإلغاء الطبقية واللاتجانس من حياة البشر، بل أصبح موسماً يعزز فيه البعض ذلك التفاوت الدنيوي الكبير بين من يملك ومن لا يملك بصورة جعلتنا نرى ونستمتع بكل شيء في موسم الحج، ولكننا قطعاً لا نحس بذلك الارتواء الروحاني الذي يشعر به الحاج وهو في حضرة الرحمن!
