
لا يعلم أحد بعد.. كيف سيتطور الموقف إثر الاستجواب الذي قدمه النائب “مفرج نهار” للدكتور “أحمد الربعي” وزير التربية ولا يستطيع أحد أن يتكهن ما إذا كانت جلسة الثلاثاء ستؤدي إلى سحب الثقة من الوزير أم لا؟ فالموقف برمته يدعو إلى الدهشة.. وإلى التشكيك بكل الأطراف!! ولعلّ ذلك هو ما سندفع ثمنه أجلاً أم عاجلاً.. وهو ثمن يفوق بكثير خسارة وزير (علماني) أو كسب وزير (إسلامي)!!
فالقضية الآن.. أصبحت قضية ثقة بين المواطن من جهة.. وبين إدارة الدولة بمؤسساتها من جهة أخرى!! خاصة بعد أن اشتملت قضية الاستجواب على أسماء أثار موقفها استغراباً ودهشة لدى المواطن!!
وسواء أدت جلسة يوم الثلاثاء إلى سحب الثقة من الوزير أم لا!! فإنها من المؤكد ستكون قد ساهمت بتطوراتها في مزيد من عدم الثقة لدى المواطن تجاه الحكومة ومؤسسات الدولة.. والقائمين عليها!! وهو شعور قد بدأ ينمو بصورة واضحة في أعقاب إخفاقات مرحلة ما بعد التحرير.. وما صاحبها من مناقصات شرهة.. واستباحة للأموال ما زالت قائمة.. وانتهاكات لجسم الدولة وكيانها من قبل بعض النافذين!!
وأزمة الثقة هذه.. قد دفعت بالمواطن إلى طرح تكهنات.. بدا بعضها بعيداً عن طبيعة المواطن في النظر إلى الأمور والأحداث الجارية.. وهي طبيعة اتسمت دوماً بدرجة عالية من التصديق والوثوق فيما يحدث وما يطرأ من أمور سياسية كانت أم اقتصادية!! وتلك طبيعة قد تكون من آثار الرابطة والعلاقة الاجتماعية القبلية التي ما زالت تسيطر على التعاملات السياسية والاقتصادية فيما بين أبناء الوطن والتي لا تزال بعيدة عن التحولات العميقة التي أصابت البنية المجتمعية!!
أزمة الثقة ذاتها.. دفعت بالبعض إلى تفسير الموقف بأكمله.. بأنه محاولة ترضية لأقطاب حركة الإسلام السياسي.. خاصة بعد أن تم تجريدها من مراكز وصلاحيات ساهمت في مضاعفة نفوذها سواء في المجتمع أو في مؤسسات الدولة!! وهو موقف قد لا يخفى على الكثيرين.. أنه قد جاء بناء على اتفاق خليجي موحد للحد من سيطرة التيار الديني على مؤسسات الدولة.. خاصة بعد التجربتين المصرية والجزائرية!!
البعض دفعته أزمة الثقة إلى التكهن.. بأن عملية الاستجواب.. ما هي إلا مراوغة من قبل جهات بارزة.. لإسقاط أحد الرموز الوطنية.. بيد ناخبيه.. وبسلاح الديمقراطية الذي طالما دافع عنه!! فقد لا يكون الدكتور “الربعي” أفضل الوزراء.. إلا أنه وبشهادة العاملين في وزارة التربية.. قد استطاع تحقيق إنجازات يستحق الثناء عليها!! بعض من رجحوا كفة هذا التكهن.. يرون حجتهم في أن سقوط الوزير “الربعي” بيد الديمقراطية.. وهو أحد الوزراء الذين نالوا قبولاً واسعاً لدى المواطنين.. سواء إبان فترة انتخابات المجلس في أكتوبر 1992.. أو خلال عمله كوزير للتربية!! يدفع بالمواطن إلى التشكيك بجدوى النهج الديمقراطي الذي يحجب الثقة عن وزير التربية.. ويترك وزراء المالية والدفاع والداخلية!!
ومهما صاحب تلك التكهنات من واقعية أم لا.. فإنها ولا شك ترمز إلى أزمة الثقة التي أصبحت تتفاقم بين المواطن وجهاز الدولة!! هذا بالإضافة إلى ما تثيره أحداث كهذه لدى المواطن في دول الخليج بوجه خاص عن (مشاكل) الديمقراطية (ومأزقها) في الكويت!! والتي كثيراً ما روج البعض في دول الخليج بكونها إرث المسيرة الديمقراطية في هذا الوطن والتي بدأت بتقديم عريضة 1921 من قبل بعض المواطنين الكويتيين للمشاركة في إدارة شؤون الوطن!! بل ولقد ذهب بعض أولئك المروجين إلى القول بأن غزو النظام العراقي ما كان ليحدث لولا الانفتاح السياسي المتوفر إلى حد ما في هذا الوطن!! فلقد بدأت الصحافة الخليجية في تسليط الضوء على (مساوئ) الديمقراطية.. محذرة من الوقوع في (فخ) الانفتاح السياسي الكويتي!!
الكل ولا شك سيخسر في معركة الاستجواب هذه.. وما ستأتي به!! فالليبراليون سيخسرون وزارة التربية إذا ما تم بالفعل التخلي عن الوزير “الربعي”!! والإسلاميون خاسرون أساساً لأن التخلي عنهم قد بدأ بالفعل.. وهم يعلمون أكثر مما نعلم استحالة تسلم وزارة التربية!! لكن الحكومة ستكون الأكثر خسارة.. إن لم يكن على المدى القريب.. فحتماً على المدى الأبعد.. فحجب الثقة عن الوزير.. سيؤدي إلى حجب ثقة المواطن عن أي حكومة قد تأتي مستقبلاً!! أما الخاسر الأكبر.. فسيكون الوطن.. حيث سترخي الأزمة ستاراً حديدياً.. يفصل أرجاءه.. ويمزق دوائره الاجتماعية!!
