غير مصنف

حتى لا يستأثر البعض باللحم..

[جريدة القبس 15/10/1991]

ويبقى العظم للآخرين
كلما دار الحديث، سواء في المجالس العامة أو على صفحات الجرائد، عن التعويضات لا أعلم لماذا يقفز إلى ذهني منظر طوابير الناس عند البنوك، تودع أموالاً، أو تسحب أموالاً، لتودعها مجدداً في السوق.
لم أتمكن من استدعاء صورة مغايرة لتلك الحملات المطالبة بالتعويضات، فهذا يطالب بتعويض عن مجوهراته البلجيكية المنهوبة، وذلك يطالب بتعويض عن أثاثه الإيطالي الفخم الذي أتلفه الغزاة حقداً وكمداً.. لتتداعى حالات المطالبة بالتعويض كل بقدر خسارته المادية، حتى ذكرى شهدائنا الزكية، نالها ما نالها من مساومة رخيصة، في محاولة لاستبدال دمائهم التي عانقت تراب الوطن، بوريقات نقدية. ولم يسلم الأسرى بالطبع من ملحمة التعويض هذه فأنشئت اللجان لمساعدة أسر الأسرى، على غرار (ادفع ديناراً.. تنقذ مسلماً)، حتى أصبحنا قادرين ومقتنعين أن كل الدموع في هذا الوطن تستطيع وريقات النقد أن تجففها… وبغطرسة عجيبة، أصبحت كل المشاكل والآلام والمعاناة خاضعة للمساومة في أي بنك من بنوك الوطن.
إن ما للشهداء، والأسرى من حق في المحافظة على أسره من بعدهم، يجب أن لا يتدنى إلى مرحلة التسول… فحقهم أعلى من أن يتوقف على توقيع مسئول ألمت به وعكة صحية، ولم يوقع على معاملة الأسير أو الشهيد… وحقهم أولى من أي معاملة سقطت من أعلى وتصدرت أوراق مسئول… ومشاكل أسرهم أبدى من المشاكل التي تواجه منتخبنا الوطني في نضاله الكروي!!
إن وظيفتنا تجاه أسرانا وشهدائنا ليس في الانضمام إلى مجاميع الهاتفين بسقوط صدام لأنه لم يطلق أسرانا… ولأنه عذب شهداءنا… بقدر ما هي محاولتنا أن ننزل إلى الواقع الذي نعيشه الآن… وأن نقتدي بغيرنا من الأمم والتي عانت ما عانينا، فتفاعلت مع الحدث إيجاباً… وأنشأت مجالس تضم في إطارها ذوي الأسرى والشهداء… تطرح فيها همومهم، ومكاناتهم بإشراف أناس مختصين بهذه الأمور لمناقشة مشاكلهم… ومحاولة تخفيف الضغوط اليومية التي يواجهونها… وإعفائهم من روتين المعاملات اليومية… حتى لا يصبح المطالب منهم بحقه… كالمتسول لكثرة ما يتردد على الجهات المختصة.
وباستثناء الأسرى والشهداء… فإن ملحمة التعويض تبدو هزلية في غالب فصولها… إلا أنها استطاعت أن تكون الحديث الشاغل لفئات عديدة ومختلفة في المجتمع، بالرغم من التفاوت في درجات التعويض المرتقب، فمن إسقاط للمديونيات، الصعب منها… والسهل… إلى تعويض لكل من غادر الوطن.. أو لم يغادر، وكل من تحطم سور داره.. أو تلفت أشجاره.
وسط هذا الخضم من التعويضات الشخصية.. يبقى الوطن وحيداً دون تعويض… فمن يعوض الوطن؟! من يعوض الأم التي يحتمي بظلالها كل المطالبين وغير المطالبين بالتعويض!!
لقد عاد الوطن من متاهة السبعة شهور المظلمة… مثكلاً بالجراح… ليواجه سبعة شهور أخرى ما زالت تئن معها جراحه… فالمسئولون عن تنظيم شؤونه انشغلوا باسترضاء أبناء الوطن… وإغداق العطايا والهبات عليهم.. إن الوطن، وكيفية تقسيم مهامه وشؤونه، جزء يدرس في علم الاجتماع منذ أفلاطون وحتى يومنا هذا… وما حدث لهذا الوطن… يعتبر حركة من حركات التاريخ الكثيرة.. تحتاج إلى إعادة تنظيم توأد معها كل مصلحة شخصية بحتة.. وتطرد كل نظرة ضيقة ترمي إلى مكاسب وقتية لا تحقق الاستقرار الدائم والمطلوب للوطن.
ما زال جرح الوطن جديداً وغائراً.. والوضع الحالي أعجز ما يكون عن تعويض الوطن من جراحه.. فالكلمة الحرة ما زالت تختبئ في سراديب عتمة باردة.. والوطن لا يضمد جراحه حجر على كلمة حرة نظيفة، يكون وراءها مواطن يحاول جهده تضميد الجراح.. فبناء الوطن بحاجة إلى حرية مكفولة لكل فرد من أبنائه.. فيها صون لكرامتهم.. وتوفير لأمنهم واستقرارهم.
قد يكون ذلك بداية محاولة التعويض للوطن عما أصابه.. إلا أن ما للوطن من حق على أبنائه.. لا يقف مجرداً هنا.. فحق الوطن في التعويض يبقى في أن يجهض الفساد والرشوة.. أياً كان مصدرهما.. وأياً كان القائم عليهما.. حتى تصحو الضمائر وحتى يتيقظ أولئك الذين استسلموا للنوم طويلاً.. فلربما يتيقنوا كم أخطأوا بشأن هذا الوطن.. وكم عبثوا بجسده.
وحق الوطن أيضاً.. في أن يعود العدل ليسود، وليعطي كل ذي حق حقه، كي يتم استتباب الأمن والأمان.. ويتوفر الرزق الكريم للجميع.. حتى لا يستأثر البعض باللحم.. ويبقى العظم للآخرين.
حق الوطن.. في أن لا تصادر الحريات، العامة منها والخاصة، حتى لا تمارس حقها في الظلام.. وليصبح حل جميع المشاكل تحت الشمس وبصوت مسموع بدلاً من دهاليز الصمت والعتمة.
حق الوطن.. في أن يساهم الجميع بتضميد جراحه.. وإعادة بنائه.. وأن تتاح الفرصة للكفاءات في هذا الوطن كي تأخذ دورها الطبيعي، انطلاقاً من أهمية وضع الرجل المناسب في المكان المناسب.. بصرف النظر عن معايير أخرى ينقلب معها الحال ليصبح المكان المناسب، للأكثر نفوذاً!!
حق الوطن.. في ولاء المواطن له.. وانتمائه لأرضه.. فالولاء حق لكل مواطن.. لا تؤججه الأغاني المتشنجة.. بقدر ما تغذيه، وتنمي أحاسيس أفراده بأنهم جزء منه.. لهم حقهم في مسئولية إدارة شؤونه. ولهم دورهم في المساهمة بوضع لبنائه.
حق الوطن.. في تعزيز وحدته الوطنية.. ونبذ الطائفية والقبلية فيه.. وسد الطريق أمام أي عابث تخدم أغراضه اشتعال الفتنة بين أفراد الوطن. وأن يخضع الجميع للحقوق والواجبات نفسها، فلا يكون لفرد فضل على آخر.. إلا بما تؤهله له قدراته الفعلية.. وجهوده الذاتية.
حق الوطن.. في أن يتنازل كل من يرى أنه قد قصر في خدمة الوطن.. أو عجز من مكانه أن يقرر ما فيه مصلحة الوطن.. ليفسح المجال لقرارات وتفاصيل أخرى، تصيغها دماء جديدة.
حق الوطن.. في أن تتقهقر الأنا الرابضة فينا منذ زمن بعيد.. حتى يكون جهدنا ملتصقاً ومصلحة الوطن.. دون أي ارتباطات بمصلحة أخرى.. تهدف إلى أغراض أبعد ما تكون وصالح الوطن.
حين نعوض الوطن حقوقه.. نكون قد عوضنا بعض ما للوطن علينا.. وحين يعوض الوطن.. فإن التعويض يطالنا جميعاً.. فالوطن ليس أنشودة نتفنن في إخراجها.. كما وأنه ليس علماً منقوشاً تلوح به.. ونزين به واجهات منازلنا وأسواقنا.. إن علاقة المواطن بالوطن.. علاقة أنضج من ذلك بكثير.. إنها علاقة التزام الحاكم قبل المحكوم.. والسلطة قبل الشعب، يحفظ الوطن والكفاح من أجله.. وإيثاره على كل المنافع الذاتية.. والرقي به إلى غد أفضل.
إن مهمة إعادة بناء الوطن من جديد، وعلى أساس أقوى ليست بالمهمة السهلة.. ولكن الصعاب جميعاً تتلاشى حين يكون ما نهدف إلى تحقيقه جديراً بالجهد المبذول.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى