الأرشيف

“حبي نفسك”.. ثورة افتراضية جديدة

[جريدة القبس 1/11/2021]

قد لا يختلف اثنان على مدى تأثّر الثقافة المجتمعية بثورة تكنولوجيا التواصل والاتصالات، فقد مكّنَت هذه الثورة جميع مستخدمي أدوات التواصل من التعرّف على ثقافات أخرى قد يكون بعضها غريباً ومُستَحدَثا وبعيداً كل البعد عن ثقافتهم.. وبحيث أصبحت معها كل القضايا بيئية كانت أم اجتماعية أم عقائدية أم فكرية.. مادة ثرية في الحوارات الافتراضية.. بمعنى آخر لم تعد مسألة التواصل مع الثقافات الأخرى مسألة تَسْتَدعي التواجد الجسدي الفعلي داخل حدود ثقافة ما.. فالطفل الصغير الذي يعيش في قرية نائية في أفريقيا.. أصبح يتحدث بالمنطق نفسه الذي يتحدث به طفل آخر في مدينة صناعية شاسعة المساحة في أي دولة أوروبية.
لكن لم يخلُ مثل هذا الانفتاح الإلكتروني من سلبيات، لعل أبرزها أنه قنَّن من فرصة التواصل الجسدي المحسوس والمباشِر.. كما أنه أدى إلى صعوبة – أصبحت واضحة عند الصغار اليوم – وذلك في المقدرة على إيصال المشاعر بشكل طبيعي.. والاكتفاء عوضاً عن ذلك برسومات تعبّر عن المحبة والصداقة والاشتياق والمودة وغيرها من مشاعر بشرية ملموسة.
مثل هذا التأثير طال فئة الكبار كذلك ولم يعد مقتصراً على فئة الصغار وحدهم.. حيث ساهم مثل هذا الاندماج أو الذوبان في الثقافات الأخرى إلى حالة من الفوضى أحياناً في التعبير عن المشاعر والأحاسيس، بل وفي تصنيف الأولويات لدى فئة من الكبار ممن يُفتَرَض أن يكون لديهم أساساً مخزون ثقافي ثابت وقديم ومغروس في وعيهم وسلوكهم.. ما أدى إلى التباس لدى الكثير من الكبار بين الثقافة المحلية القديمة والمتجذّرة لديهم.. وبين الثقافة الجديدة والمستَورَدة إلكترونياً وافتراضياً وبشكل جعل بعضهم يخفق في مسايرتها بشكل عقلاني وبصورة تتماشى مع طبيعة المجتمع ومخزونهم الثقافي المتَوارَث. الأمثلة على مثل هذه التداعيات الفكرية والسلوكية الإلكترونية كثيرة.. بعضها تمكّن من الاختلاط والتزاوج بشكل جيّد ومُثمر مع ثقافة الكبار.. بينما بقي بعضها مُشوّهاً أو عاجزاً عن الالتقاء مع الثقافة المُتوارَثة والسائدة.
فعلى سبيل المثال، سادَت أخيراً موضة «حبي نفسك» في دعوة للفرد، وبخاصة للمرأة لضرورة تجاوز كل العقبات التي قد تقف بينها وبين تحقيق كل الرغبات.. وتلك بلا شك دعوة حكيمة في أساسها.. فالذي لا يُحب نفسه.. لن يستطيع أن يحب الآخرين.. كما أن مسألة كَوْن المرأة ضحية لثقافة وفكر أنكرا عليها أن تحب نفسها.. أو أن تكون أولوية في شؤون حياتها هي مسألة عانَت منها ولا تزال أغلب النساء في المجتمعات الشرقية، لكن إسراف أدوات التواصل الاجتماعي والإلكتروني في توصيف مبدأ أن يعرِف الإنسان كيف يُحب نفسه.. واللغة والمفردات التي تُستَخدَم في تعريف كيفية التصالح مع الذات… حوّلَت دعوة عقلانية كهذه من خانة المنطق والتطبيق العملي.. إلى الجَرْف العاطفي الذي كان مدمراً للكثير من السيدات، فالإفراط في حب الذات والاعتقاد بأنها هي الأهم على الإطلاق صنّفه علماء النفس كمشكلة نفسية وليس ميّزة.
قد تكون هنالك أبعاد نفسية وسيكولوجية لمثل هذا الاعتقاد، الذي أصبح سائداً في مجتمع الكبار اليوم.. خاصة لدى السيدات.. وقد لا يجيد فك رموز مثل هذا السلوك سوى المتخصصين في هذا المجال.. لكن من المؤكد أنه يأتي كأحد إفرازات الانصهار بين الثقافات، الذي أحدثته عجلة التواصل الإلكتروني الافتراضي.
لا ينكر أحدٌ على الإطلاق الإيجابيات التي لا تُحصى لمواقع التواصل مما وفّرته تكنولوجيا الاتصالات والتواصل لكنها كجزء من ثورة المعرفة والتكنولوجيا الحالية.. تأتي مُحمّلة بسلبيات قد يكون تأثيرها – كما ورد أعلاه – في الكبار أكبر بكثير مما هو على الصغار الذين نشأوا ضمن منظومة فكرية وثقافية «معَوْلَمة» وعادات وتقاليد أصبحت شبه كونية في جذورها.. لكن المشكلة التي سيعاني منها الكبار بالتحديد هي في محاولة الانفتاح على ما يوفّره عالم اليوم من قِيَم وفِكْر وعادات وهويات عالمية.. دون أن يُحدث ذلك اصطداماً بالموروثات المخزّنة أساساً ومن دون أن يؤدي مثل هذا الالتحام إلى فوضى في المشاعر والأحاسيس وردود الأفعال.. بمعنى آخر يحتاج الأمر عادة – خاصة من قِبَل الكبار – إلى عمل فلترة من وقت لآخر لهذا الكم الهادر من الثقافات المُتداخِلة وبشكل يجعلنا جميعاً نُميّز بين أن يُحب الإنسان ذاته.. وبين أن يكون أنانياً.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى