قضايا الوطن

جيل الثقافة العرجاء

جيل الثقافة العرجاء

أشار الباحث الاقتصادي المعروف جاسم السعدون، في لقائه مع جريدة “القبس” إلى الملامح التي ميزت حقبة الستينيات من هذا القرن.. حيث يرى فيها السعدون فترة زخم سياسي.. كان فيها الناس أكثر التصاقاً بالقضايا العامة، حيث كان التفاعل شديداً على الساحة السياسية واهتمامات الناس كانت أقل في بعدها الاستهلاكي!!
محظوظون أولئك الذين عايشوا تلك الفترة الذهبية من التاريخ العربي بوجه عام.. ممن أشرق شبابهم في ظل قمة الفخر بالهوية العربية وزخم الاعتزاز بالانتماء السياسي والاجتماعي والثقافي!!
وهو ما أصبحنا نفتقده اليوم في مرحلة تشوهت فيها ملامحنا وتبدلت أسماؤنا بل وحتى أذواقنا وحسّنا الفني والأدبي!! لم يعد هنالك لحن عربي.. بل مزيج مسخ من آلات تداخلت في بعضها البعض وأصدرت صوتاً!! ولم يعد هناك كتاب عربي بل ترجمة أو اقتباس.. أو تلخيص لرؤى الآخرين وأحلامهم وتطلعاتهم!! ولم يعد هنالك زي عربي فيما عدا ما نراه في الرقصات الفولكلورية وحفلات استرجاع الماضي!!
جزء كبير من اللوم لما ألَمَّ بهويتنا العربية يقع على عاتق المثقف المبدع، سواء كان كاتباً أم فناناً أم رساماً أم موسيقار!! فهم جميعاً أداة حفظ التراث والثقافة والحضارة!! وهم الذين تخلوا عن مهمتهم تلك وتشوهوا فشوهوا معهم ملامح مجتمعهم وقسماته المميزة!! فلم نعد نقرأ التاريخ في رواية كما قرأناه في “ثلاثية” نجيب محفوظ، ولم نعد نتفاعل مع الحدث السياسي كما كان يدفعنا إلى ذلك لحن لمحمد عبدالوهاب أو نشيد لشادي الخليج!! بل حتى إبداعاتنا الفنية أصبحت أشبه بطلاسم لا معنى لها ولا هوية!!
لقد أبدع محمد عبدالوهاب وشادي الخليج.. ونجيب محفوظ وفهد العسكر.. أبدعوا جميعاً، لأنهم كانوا تعبيراً صادقاً لا زيف فيه لحقبهم الزمنية!! كانوا نتاجاً.. وكان إنتاجهم إفرازاً لمعطيات سياسية واجتماعية اتسم بها عمرهم وجيلهم!! كانوا وكانت أعمالهم تجسيداً لهوية مجتمع بأفراده وطبقاته وصراعاته وفكره!!
كانت الثقافة والإبداع آنذاك أداة تسجيل للواقع كما هو، لا للواقع كما يريده رجل السياسة والسلطة!! كان للثقافة والإبداع في الخمسينيات والستينيات آلياتها التي تعمل وتتحرك بحرية مكنتها من أن تصبح مرآة صادقة تعكس بنقاء تام محيطها وواقعها ومجتمعها!!
كان للثقافة وللمثقف دور ريادي أساسي في هيكل المجتمع والدولة بشكل عام!!
لا عجب إذاً، إذا ما شاركنا جميعاً السعدون في مشاعره التي يكنها لحقبة الستينيات!! فيكفيه زهواً وفخراً أنه عاصر جيل المثقف الحُر.. والثقافة الفاضلة!! فخلقت منه فرداً حراً.. رفض، وكما قرأنا في لقائه، ما يراه البعض اليوم فخراً وتفوقاً.. ومهارة!!
المثقف هو الشق النظري في مقابل الشق العملي المتمثل بالحكومة لتكوين الدولة والمجتمع!! وبذلك فهو عضو أساسي فاعل في إدارة الدولة والمجتمع.. لا يمكن الاستغناء عن دوره.. وإلا خرجت علينا دولة عرجاء!! وهو ما أصبحنا نعانيه في زمننا هذا.. حين اختزلت الحكومة دور المثقف وتنازل هو بدوره ليصبح أجيراً بعد أن كان مالكاً وعضواً!! لتمتلك الحكومة بذلك كلا الشقين!!
حقبة الستينيات التي يتذكرها وبحسرة الكثير ممن عايشوها.. كانت حقبة المثقف الحر.. والعضو المؤسس للدولة وللمجتمع!! بينما حقبة الجيل الحالي هي حقبة المثقف الأجير والثقافة العرجاء!! وكلا الحقبتين لا شك أتت أُكلها بما يتفق ونبتها!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى