
لا تكاد صحفنا اليومية تخلو من مشكلة يستعرض من خلالها أحد “البدون” مأساة وضعه الاجتماعي والسياسي الحرج والمؤجل والمنقوص، ولا يكاد يمر يوم دون أن نسمع عن أسر أو أفراد يتحدثون عن معاناتهم مع وضعهم غير القانوني! ومع ذلك فقد بقيت مشكلة “البدون” قضية معلقة بلا حلول جذرية تبطل مفعولها الخطر على المدى البعيد والقريب، بل حتى الحلول المقترحة إلى الآن لم تكن صافية، بل كثيراً ما تقاذفتها خلافات واختلافات سياسية أدت إلى تأجيلها بصورة انعكست كثيراً على المستفيدين أو المؤهلين لتلك الحلول، آخرها كان في ذلك التأجيل الذي طرأ على قرار وزير الداخلية الداعي إلى الفصل في قضية أبناء الكويتية الأرملة أو المطلقة.
فبعد أن رحب الجميع بقرار الوزير الناضج الإنساني والقاضي بمنح الجنسية الكويتية لأبناء الكويتية الأرملة أو المطلقة طلاق بينونة كبرى، أي لا رجعة فيه! وبعد أن استبشرت الكثيرات من الأمهات الكويتيات بقرب الفرج، تجمد ذلك القرار من جديد، وتأجل البت في الكثير من الحالات المؤهلة للتجنيس وفقاً لتلك الشروط!
ولا نعلم بعد لماذا جمد العمل بذلك القرار الوزاري، ولا ماهية الظروف التي حالت دون الاستمرار في تخليص أبناء الكويتيات من هاجس المستقبل الغامض الذي أصبح يحاصرهم في كل ما يخططون ويرسمون.
وإن كنا نعلم جيداً أن هنالك المئات من الشباب والشابات المستحقين للتجنيس وفقاً لذلك القرار، ممن تجمدت آمالهم مع تجميد العمل بقرار تجنيسهم وإلحاقهم بهويات أمهاتهم.
“البدون” قضية أصبحت ككرة الثلج التي أصبحت تلتهم في طريقها الكثير من إنجازات وملامح الكويت لما يتعلق بسمعتها السياسية ودورها الإنساني والحضاري، وقد تكون هنالك شوائب كثيرة صاحبت هذه القضية، وتلاعب بتفاصيلها بعض ضعاف النفوس ممن استغلوا طابعها الإنساني ليتسلقوا من خلاله ويحققوا ما لا يحق لهم فيه، إلا أن تلك لا تعدو كونها ظواهر واستثناءات بالإمكان تحديدها وتجاوزها بسهولة دون الإضرار بحقوق المستحقين من هذه الفئة.
لقد حمل قرار وزير الداخلية بتجنيس أبناء الكويتيات الأرامل والمطلقات طلاقاً بائناً ملامح إنسانية تدون في سجل الكويت الإنساني والحضاري، ونحن قطعاً لا نريد أن نمحو شيئاً مما دونا أو كتبنا في هذا السجل المشرف بالإضافة إلى أن المعنيين بقرار وزير الداخلية سالف الذكر هم من الشباب والشابات الذين بالإمكان استثمارهم ضمن من نستثمر من قوة بشرية فاعلة ومهيأة لبناء المستقبل.
نتمنى على وزير الداخلية أن يعيد النظر فيعيد لهذه الفئة من “البدون” أملها، خاصة أننا هنا بصدد قضية منطقية بتحليلها وتبريرها، ووطنية بتفاصيلها وتداعياتها، فمن المنطقي جداً أن يكون انتماء أبناء الكويتية المطلقة أو الأرملة تابعاً لها وذلك لغياب الطرف الآخر أي الأب ومن الوطنية أن تعمل الدولة على تذليل المصاعب أمام مواطنيها، واحتوائهم بصورة ناضجة تعفيهم من البحث عن حلول لمشاكلهم من خارج أرضهم وأهلهم.
إن القضية التي نحن بصددها هنا تمس مجموعة من الأمهات الكويتيات اللاتي ضاقت بهن قوانين بلدهن، وبانتظار أن تفرج عنهن مبادرة من وزير الداخلية لإعادة الحياة في قانون تجنيس أبنائهن، وإذا كانت “الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق”، فإن لدى هؤلاء الأمهات الكويتيات شعوباً من الأبناء والبنات يملؤهم شوق ولهفة للمساهمة في بناء وطنهم بصفة رسمية وموثقة وبجواز سفر صالح وصادر عن دولة الكويت بصفتها الأم والحاضن الأول!
