
من المفروض أن تكون جمعيات النفع العام والنقابات المهنية مرآة تعكس بصدق نبض المواطن وتعالج قضايا الوطن، وأن تكون أداة تساهم في إثراء الحس الوطني لدى أبناء الوطن.
نقول أن ذلك هو المفروض.. غير أن الواقع يقول غير ذلك!! ففي خضم المعركة الانتخابية، وفي ذروة التصعيد الطائفي الذي فجرته تداعيات صراع المرشحين في الدعية، تخرج علينا جمعية الصحافيين الكويتية بدعوة لمحاضرة حول انتخابات رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تستضيف الجمعية محاضراً يتحدث حول انتخابات الرئاسة في أمريكا، وكيفية انتخاب الرئيس، وعمل اللجان الانتخابية.
قد تكون وجهة نظر الجمعية – وهو حق تحتفظ به – أن العلم بالشيء أياً كان ذلك الشيء، هو دائماً مفتاح المعرفة.. وقد يكون للجمعية الحق في طرح ما تشاء من قضايا، غير أن ذلك لا يعني أن للجمعية الحق في تناسي وتجاهل دورها الأساسي في عجلة التنمية وفي تعزيز الولاء والانتماء بصورة تضمن بناء مواطن صالح ووطن مستقر ومتحضر وواثق.
نحن نعلم جيداً أن قيوداً قد فرضها واقع الغزو وما تلاه من أحداث على قرارنا السياسي بوجه عام. وندرك أيضاً أن الترتيبات الأمنية، والإجراءات الدفاعية الأمريكية خاصة في ظل التراجع العربي، قد خلقت انكساراً كبيراً في قضايا الانتماء والولاء لدى شريحة كبيرة من المواطنين. لكن ذلك الواقع لا يجب أن يعكس نفسه بنمو مشاعر الخذلان والنكوص، ولا أن يكون مبرراً لآخرين للقول بمشروعية الانصهار في تبعية للغرب، تقضي على ما أنجزناه في تاريخنا القصير من إحساس متنام بالاستقلال والتحرر.
إن دعوة جمعية الصحافيين لندوتها حول الانتخابات الأمريكية، الآن وفي هذا المناخ التنافسي بين أبناء الوطن، هي دعوة للنكوص.. والمجتمع الناكص بطبيعته لا يستطيع أن ينتج سوى الدونية والتبعية وغالباً ما يخشى مواجهة الحرية والحوار.
وهو بالتأكيد ما لم نلمسه في روح المواطن، خاصة في أيام الحوار والديمقراطية التي يعيشها الوطن بأكمله، مما انعكس وبشكل واضح على عدد الحضور في ندوة الجمعية (الأمريكية) وتلك مسألة تعكس مدى إصرار المواطن على التشبث باستقلاليته والاعتزاز بقضاياه ومعاصرتها والانصهار معها وبها.
إن عقد ندوة بهذه الصورة وبهذا الموضوع وفي ظل الظروف الانتخابية الراهنة، ليس قضية جانبية أو مسألة عابرة. فهي تأتي اليوم لتؤكد حاجتنا إلى تعزيز قضايا الانتماء من جديد بعد أن عصفت بنا تناقضات الغزو، الانتماء بكونه أساساً في تكوين المواطن السوي والواثق، والقادر على معالجة قضاياه وشؤونه.
قد نكون الآن بالفعل تحت مظلة وحماية غربية.. لكن ذلك أمر يفرضه واقع سياسي متلون ومتغير شأنه شأن كل الأحداث السياسية الأخرى. غير أن موازين المصلحة والسياسة لا تعني تفشي روح الدونية والتبعية. بل قد يكون على العكس من ذلك تماماً.. فغالباً ما تؤدي أحداث سياسية كحماية أو وصاية أو استعمار إلى تنامي الشعور الانتمائي الوطني وتفويته.
وهو ما يجعلنا عاجزين عن أن نجد عذراً أو تبريراً واحداً لندوة جمعية الصحافيين.. إلا إذا كان ذلك من منطلق بعد النظر.. والرؤية الثاقبة للأحداث.. والذي قد يكون هدف الجمعية من وراء ندوتها تلك، لرصد أثر انتخابات الرئيس الأمريكي في تطورات الانتخابات في الدعية، وكي لا يقال أن الجمعية تؤذن في مالطا.
