تقارير وحوارات

جعل الصندوق يدخل عمليات تجارية

أجرت الحوار: سعاد المعجل (فيينا)

جعل الصندوق يدخل عمليات تجارية

أكد المدير العام لصندوق الأوبك للتنمية سليمان الحربش أن توفير “أُفيد” للأموال اللازمة للقيام بعمله، يحتاج منه إلى القيام بعمليات تجارية في ظل صعوبة الاقتراض من الدول الأعضاء منذ بداية الأزمة، واشتراط الأسواق المالية الحصول على تصنيف AAA من وكالات التصنيف للحصول على التمويلات اللازمة، وهو ما دفع الصندوق إلى دخول العمل التجاري وإنشاء المحافظ، لكنه أوضح في المقابل أن “أُفيد” مستثمر متحفظ جداً، فهو مؤسسة تنموية لا شركة استثمار.
أشار الحربش في حوار خاص لــ “القبس” إلى تعتيم غير متعمد كان يصاحب أنشطة الصندوق، قبل توليه مهمة إدارته إضافة إلى خلط بين منظمة أوبك وصندوق أوبك وهو ما حدا به إلى تنظيم حملات إعلامية من أجل التعريف بالصندوق وأهدافه منذ توليه منصبه، مع فصله إدارياً وسياسياً عن المنظمة.
وفيما يلي تفاصيل اللقاء:
يقال إن سليمان الحربش قد نجح وإلى حد كبير في طرح هوية جديدة للصندوق لا تقتصر على الشعار الجديد بل أيضاً على الاستراتيجية المستقبلية، ما قولك في ذلك؟
الحقيقة، حينما يتعلق الموضوع بمهمة نبيلة كمهمتنا، أي محاربة فقر الطاقة، وفقر التعليم، وفقر الماء النظيف، وغيرها، فالشعار في هذه الحالة لا يتعدى كلمات جوفاء، نحن ذهبنا إلى أبعد من الشعار، بمعنى أن عملاً جليلاً بهذا الحجم يتطلب حشد موارد مالية وبشرية وفكرية، ويحتاج أيضاً إلى توعية ونوع من الإعلام. أنا للأسف ــ ولا أريد هنا أن أنتقد من سبقني ــ أتيت إلى هذه المؤسسة ووجدت نوعاً من التعتيم غير المتعمد على ما يقوم به الصندوق، لذلك قمنا بحملات إعلامية، آخرها كان اشتراكنا في عالم شباب موحد One young world في لندن، والذي حضره العديد من الشخصيات المعروفة. وقد قمنا بتمويل العديد من الشباب، ومن بينهم شاب من هايتي وهو الذي فاجأنا بدخوله، لأننا كنا نظن أنه تحت الركام، هذا جزء من الحملة الإعلامية التي نطمح من خلالها في أن نوضح للعالم ما هو صندوق الأوبك، ماذا يعمل، ما مهمته، إلى أين يذهب، هل هناك شروط لإقراضه؟ هل هناك شروط لمنحه؟ ودائماً نقول إنه ليس هنالك شروط، ولحسن الحظ أن المبادئ الأساسية النبيلة التي جمعت بين شباب العالم في مؤتمر الشباب بلندن وبين شخصيات مثل القس توتو، وكوفي عنان، وجون براون، هي مبادئ سامية تتطابق، ولا أقول تتشابه، مع المبادئ التي ننتهجها في “أُفيد”، وهي أننا نتعامل مع العالم بصرف النظر عن الدين أو اللون أو الجنس أو الجغرافيا.
التنمية المستدامة
تدعم “أُفيد” جدول أعمال القرن العشرين الذي يهدف إلى حماية البيئة وتحقيق التنمية المستدامة، ألا ترى معي أن الثقافة البيئية معدومة وقد تعتبر نوعاً من الترف في ظل تفاقم الفقر؟ وكيف يتعامل “أُفيد” مع مثل هذه المعادلة الصعبة؟
التنمية المستدامة مفهوم ظهر في أعقاب المفاهيم القديمة. في القرن التاسع عشر كنا نتحدث عن النمو الاقتصادي، وهو طبعاً يشرح ظاهرة التراكم الرأسمالي. ثم عندما نالت العديد من الدول النامية استقلالها، واكتمل الاستقلال السياسي، بدأت مشكلة النمو الاقتصادي تطرح نفسها على هذه الدول، فعندما تستقل الدول في أفريقيا وآسيا عن الدول التي كانت تستعمرها، فمعنى هذا أنه لا بد أن يكون لديها خطة اقتصادية استراتيجية معينة. فظهرت فكرة التنمية الاقتصادية بدلاً من النمو الاقتصادي والذي هو تفاعل قوى السوق ويأتي عادة من القطاع الخاص ويُعرف في النظام الرأسمالي بأنه ظاهرة التراكم الرأسمالي.
وظهرت فكرة القطاع العام وطرحت فكرة حشد الموارد الرأسمالية والبشرية لتحقيق أهداف معينة من خلال خطة خمسية أو عشرية.
الفرق إذاً، أن التنمية الاقتصادية يتدخل فيها القرار السياسي، ويوجهها، لذلك ظهرت وزارات التخطيط، وعن طريق وزارة المالية يتم ضبط الميزانية.
تمول الدول خططها الاقتصادية بطريقتين؛ إما التمويل الداخلي الذي يعتمد على مدخرات الأفراد، أو التمويل الخارجي وهو الاقتراض، من الدول أو من المؤسسات المالية.
موضوع التنمية الاقتصادية جزء لا يتجزأ من اقتصاديات التنمية، تدرس في الجامعات، ولكن مع بزوغ فكرة العولمة، وازدياد حدة الفقر في البيئة والطاقة والصحة وغير ذلك، ظهر مجهود دولي فيما يسمى الآن بأهداف التنمية الألفية، وهي ثمانية أهداف. وشُكلت لجنة لذلك ترأسها رئيسة وزراء النرويج السابقة. هذه السيدة بمساعدة لجنة مكونة من الخبراء ظهروا بتعريف للتنمية المستدامة، وهو أن ينمو النشاط الاقتصادي في دولة معينة وبكافة المجالات دفعة واحدة، وقابل للاستمرارية، بالنسبة لي فقد وجدت صعوبة في مفهوم أن التنمية المستدامة هي المستوى من التنمية الذي يلبي حاجات الجيل الحاضر ولا يُعرض للخطر حاجات الأجيال القادمة. وقد زاد يقيني بضبابية هذا التعريف بعد أن عُينت مديراً عاماً لـ “أُفيد” وقمت بزيارة للعديد من الدول الفقيرة، والتي لا يزيد دخل الفرد فيها على 300 دولار في السنة.
كيف أستطيع أن أقول لهؤلاء أن عليهم لكي يحققوا التنمية المستدامة أن يستهلكوا ويتركوا جزءاً للأجيال القادمة؟
الآن نأتي إلى العلاقة بين البيئة والتنمية المستدامة، وأفضل وسيلة للإجابة هو ما جاء في بيان قمة كراكاس عام 2000، حين عرف الفقر بأنه أكثر المشاكل البيئية خطراً، هنالك من يشترط لتزويد الدول الفقيرة بالطاقة ألا يكون له آثار سلبية على الانبعاثات (غاز ثاني أكسيد الكربون)، وهذه فيها نوع من فساد الرأي، لأن هذه الدول لو جمعتها فإن الانبعاثات منها قد لا تشكل ٪2 من مجموع الانبعاثات، ومشكلة البيئة إذاً عبر عنها بكونها مشكلة انبعاثات تكون مشكلة الدول الصناعية وليس الفقيرة، لذلك فإن عدم مساعدة الدول الفقيرة بحجة حماية البيئة يعتبر كلاماً لا أساس له، هنالك جانب أخلاقي لا يدركه إلا من يتعامل مع هذه الشعوب مثلنا نحن في “أُفيد”، فبينما أكلمك أنا الآن، ينتشر زملائي في العمل في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية لاتمام مهامهم النبيلة.
لا انزعاج من الخلط
يعتبر “أُفيد” منظمة حكومية مستقلة لها كيانها الخاص، ألا يزعجك الخلط لدى البعض بين صندوق الأوبك وبين منظمة الأوبك، خاصة إذا ما جاء ذلك من قبل أفراد أو مؤسسات في الدول المساهمة في “أُفيد”؟
الحقيقة لا يزعجني الخلط، ربما يعود السبب إلى أنني مدين لأوبك بالكثير من محطاتي الوظيفية. فقد كان لي الشرف في المشاركة في اجتماعات أوبك، وحيث عملت كممثل لل مملكة العربية السعودية في أوبك، ولأكثر من 14 سنة عملتها كمحافظ، في اعتقادي أن أوبك هي أنجح منظمة ظهرت في الدول النامية، بالرغم من الفوارق والمشاكل السياسية التي عادة ما تحدث بين أعضائها، أنتِ من الكويت، وتدركين أنه بعد أقل من سنة على قيام أوبك هدد عبد الكريم قاسم بغزو الكويت، وهو أمر أثر سلبياً في المؤسسة وهي لا تزال وليدة، السبب الآخر الذي لا يجعلني أنزعج من الخلط هو أن “أُفيد” ولد في أحضان “أوبك”، أُفيد لم يأتِ من وزراء المالية لا لسبب، فوزراء المالية على درجة عالية من الوعي والشعور بالمسؤولية، لكن بحكم كونهم الرعاة والمسؤولين عن أموال دولهم، لا يقدمون على مثل هذه الأعمال، أي لا يقدمون على فتح منظمات جديدة تتطلب مخصصات. هم ينفذون ما يأتي من رؤسائهم وملوكهم. لذلك فقد نشأت فكرة “أُفيد” في عام 1975 عندما استكملت “أوبك” سيادتها بالنسبة لقرارات الإنتاج والأسعار، فأصبحت بذلك مسؤولة أمام دول العالم. الآن الشركات تنحت جانباً وأصبحت مجرد شركات تجارية.
اللقاء مع الأمير
في لقاء جمعك بسمو أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد، حث سموه على ضرورة الاهتمام بأفريقيا، خاصة المناطق الصحراوية فيها. ما هي يا ترى التحديات التي تواجه “أُفيد” في القارة الأفريقية، وهل هنالك معوقات محددة تواجه مهمة الصندوق في ممارسة دوره الإنمائي في أفريقيا؟
الحقيقة أنه كان لقاء ودياً جداً، وقد لفت نظري أنه تم بمنتهى السهولة والنعومة، وهو ما أريدك أن تبرزيه هنا، لأن هنالك بعض الدول عندما تود أن تقابل الرئيس، فإنك تمر بدهاليز وبوابات، وهو أمر لم أشعر به خلال لقائي بسموه. ترتيب اللقاء تم بسهولة، حيث اتصل السفير الكويتي السابق في فيينا الأخ فوزي الجاسم بالهاتف، وذلك أثناء تواجدي في دولة الكويت لحضور إحدى اللجان المنبثقة عن مجلس المحافظين.
فاتصلت أنا بالأخ عبدالوهاب البدر رئيس الصندوق الكويتي للتنمية وممثل الكويت في مجلس المحافظين في “أُفيد” واتفقنا أن نذهب معاً، دخلنا إلى الديوان وانتظرنا بضع دقائق ثم دخلنا على سموه وكان هناك نوع من الدردشة التي خلت من الرسميات، وفعلاً أوصاني بالدول الفقيرة وبالذات دول أفريقيا، فأجبت سموه أننا سنفعل إن شاء الله كل ما تفضل به، مؤكداً لسموه أن ٪50 من نشاط “أُفيد” يذهب إلى أفريقيا و٪95 من هذا النشاط يذهب إلى الدول التي تسمى جنوب الصحراء، كما شرحت لسموه أننا بصدد تكثيف معوناتنا للدول الأفريقية.
مع توقف المساهمات المالية التي تتبرع بها البلدان الأعضاء في “أُفيد” وذلك منذ سنتين، هل ستلجأ “أُفيد” لتعويض ذلك من موارد أخرى؟
الدول الأعضاء أعطتنا المبالغ التي نسميها مساهمات، وأبقت الأرباح المترتبة عليها لدينا نشتغل فيها، فزادت مواردنا من هذا المبلغ الذي يتجاوز الخمس مليارات دولار بقليل. وقد كان ستة مليارات قبل الأزمة المالية.
علما بأن الاقتراض نوعان، اقتراض من الدول الأعضاء، وهذا سهل نوعاً ما، والاقتراض من السوق المالية، وهذا له متطلبات عديدة من أهمها الحصول على تقدير ممتاز من مؤسسات التصنيف العالمية.
أنت تعلمين أن هنالك مؤسسات مثل ستاندرد آند بورز تعطيك تصنيفاً بعد أن تراقب عملك، فإذا أرادت مؤسسة ما الحصول على قرض ميسر لابد أن تكون حاصلة على الأقل على AAA، لكن الصندوق بالطبع لا يمكن أن يتحول إلى مؤسسة استثمارية، لأنه يكون بذلك قد خرج عن مبادئه، لأن الهدف الرئيسي من إنشاء الصندوق هو دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدول النامية مع إعطاء الدول الأكثر فقراً أهمية خاصة، وما زال هذا هو النمط السائد. هذه الأدوات، القطاع الخاص وتمويل التجارة، هي في الحقيقة وسيلة غير مقصودة لجلب دخل لنا يساعدنا على إتمام المهمة الرئيسية التي هي مساعدة الدول الفقيرة. أما تعزيز مواردنا المالية فيتم عن طريق توسعة عمليات التمويل التجاري والقطاع الخاص، وكذلك عن طريق تنويع المحافظ. لكنني في “أُفيد” مستثمر متحفظ جداً، لأننا في النهاية، وكما قلت، لسنا مؤسسة استثمارية بل مؤسسة تنموية.
لا يغطي نظام الإقراض والمنح في “أُفيد” الدول الأعضاء فيه. هل يمكن أن يتوسع برنامج الإقراض مستقبلاً ليشمل تلك الدول؟
ــ الجواب على هذا السؤال أصبح واضحاً الآن، لأنه عندما أُنشئ الصندوق كان المقصود منه أن يُشكل رسالة محبة وسلام من الدول الأعضاء في الأوبك إلى الدول الأخرى، ولذلك فمن البديهي أن تُستثنى الدول الأعضاء. لا ننكر أن من هذه الدول من يعاني مشاكل فقر ونمو، لكنك ستحتاج إلى مضاعفة رأسمالك عشرين مرة لتلبية ذلك. لا نستطيع أن نفكر في مثل هذا المطلب الجريء جداً ما لم نفكر أولاً بالموارد ورأس المال. الحالة الوحيدة التي نتدخل فيها في الدول الأعضاء هو عندما لا سمح الله تحصل كارثة طبيعية، زلزال أو فيضان. كما حصل مع إندونيسيا والجزائر وإيران والعراق وفنزويلا.
*
قال سليمان الحربش إن “أُفيد” يضم اثنتي عشرة دولة، سبع منها عربية تُعامل كما تعامل الدول الأخرى، الدول العربية الست التي يتدنى فيها الدخل تحت خط الفقر نعاملها كما نعامل الدول الفقيرة الأخرى، ولا نعطي أفضلية، على خلاف بعض المؤسسات التنموية الأخرى، التي تؤسس بغرض محدد ولنطاق جغرافي معين.
مؤشرات لمستوى الفقر
أشار سليمان الحربش إلى بعض الأرقام التي تظهر مستوى الفقر والتخلف على مستوى العالم، قائلاً: هناك 1.6 مليار نسمة يعيشون بلا كهرباء ومليونا نسمة يعيشون على الطاقة الحيوية، و1.5 مليون امرأة يمتن من استنشاق الماء الملوث.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى