
على الرغم من كل الانتقادات والتحذيرات التي أطلقها متخصصون في مجال البيئة والجيولوجيا، إلا أن الحكومة على ما يبدو، مصممة على المضي في تنفيذ مشروع “جسر الصبية” الذي يرمي إلى إنشاء جسر بحري بطول 36 كيلومتراً عبر جون الكويت يربط ميناء الشويخ/ طريق الغزالي السريع بموقع وسط مدينة الصبية الجديدة في الجانب الشمالي للجون. من المقترح أن يضم مشروع الجسر البحري طريقاً علوياً بطول 3 كيلومترات بمنطقة ميناء الشويخ وتقاطعاً من الجهة الشمالية من ميناء الشويخ، وجسراً بطول 27 كيلومتراً ذا ارتفاع منخفض عبر الجون مع جسر رئيسي مرتفع عبر الممر الملاحي، وإنشاء جزيرة صناعية تقام قرب مدينة الصبية لتوفير خدمات الصيانة والطوارئ.
الخلاف بين المؤسسات المعنية بتنفيذ الجسر لم يكن خلافاً حول آثار الجسر المدمرة لجون الكويت وللبيئة البحرية والبرية، وإنما كان الخلاف حول مسارات الجسر، حيث وافقت وزارة الأشغال ـ الهيئة العامة للبيئة، ووزارة الطاقة (شركة نفط الكويت)، ووزارة الداخلية (الإدارة العامة للمرور)، وبلدية الكويت على اختيار المسار 4B، الذي هو امتداد للدائري الأول، بينما اعتمد مجلس الوزراء واختار المسار 1B، وهو المسار الأكثر خطراً وضرراً على مصلحة الكويت.
وعلى الرغم من أن المؤسسات المعنية تملك خطوطاً مفتوحة على كل المعلومات التي ترجح كفة المخاطر البيئية من وراء جسر الصبية، إلا أن أياً من تلك المؤسسات لم تقف في وجه المشروع الكارثة، فشركة نفط الكويت تدرك خطر مرور أي من مسارات الجسر على الحقول النفطية، وهيئة البيئة تعلم جيداً تبعات إنشاء مثل هذا المشروع على بيئة الكويت البحرية والبرية، وكذلك الحال بالنسبة للبلدية التي أصبحت وبكل أسف، من أكثر المساهمين في تدمير البيئة وتلويثها.
يرى المعارضون لمشروع جسر الصبية، الذين تنطلق معارضتهم من حرصهم على البيئة الكويتية، ومن إدراكهم ـ بصفتهم العلمية والأكاديمية ـ لحجم المخاطر التي ستنعكس على البيئة من وراء مثل هذا المشروع، يرون أن المشروع سيدمر ما تبقى من جون الكويت، ويقضي بذلك على أهم مناطق تكاثر الأسماك، كما أنه سيعبث بمميزات الجون الطبيعية، الذي يعد بمنزلة المصفاة التي تنقي المياه المتدفقة إلى الجون من كل الشوائب والملوثات، كما يرى هؤلاء أيضاً أن المشروع غير قابل للتطبيق بسبب الخاصية الجيولوجية لهذه المنطقة.
إن الوعي البيئي معيار يميز الأمم المتقدمة عن المتخلفة منها، ولقد أصبحت الثقافة البيئية تفرض نفسها فرضاً على القرارات السياسية في سائر أنحاء العالم المتحضر، يدفعها في ذلك اهتمام متزايد من قبل الشعوب التي تدرك حقوقها جيداً لما يتعلق ببيئة نظيفة صحية وغير ملوثة.
جسر الصبية مشروع يدعمه قرار سياسي معزز بوفرة مالية أحدثتها الطفرة الكبيرة في أسعار النفط، بالإضافة إلى الرؤية السياسية الجديدة التي أفرزها الثاني من أغسطس عام 1990، هذه الرؤية التي تصر على تأهيل منطقة الشمال وزرعها بالمواطنين والمستثمرين والمشاريع التجارية والترفيهية.
وأمام مشروع كهذا مدعوم بالقرار السياسي المتعنت يقف المناضلون البيئيون بصلابة للذود عن بيئتهم وسلامتها من جشع المستثمرين المستهترين بصحة البيئة وسلامتها، ومطالبين بإجراء دراسة جدوى بيئية لكل مشاريع الدولة قبل إقرارها أو اعتماد ميزانياتها، والكويت تزخر بكفاءات قادرة على القيام بمثل هذه الدراسات، لكنها وبكل أسف، أصبحت يائسة ومحبطة بسبب مرور كل المشاريع الخطرة على البيئة من بوابة القرار السياسي المندفع، ومن أم الهيمان إلى مبنى البتروكيماويات إلى جسر بوبيان ومشروع لآلئ الخيران، والآن مشروع جسر الصبية وميناء “القيد” في جزيرة بوبيان يدفع المواطن يومياً فاتورة استهتار الدولة بالبيئة وجشع المقاولين والمستثمرين في مشاريع الهدم البيئي يدفعها من صحته وصحة أبنائه، وحتى أصبحت الكويت مرتعاً لأمراض كانت غريبة ونادرة في مجتمعنا، وصار معدل الإصابة بالسرطانات وأمراض أخرى كالتصلب المتعدد وأمراض الجلد والمفاصل، وكلها أمراض ذات علاقة مباشرة بالتلوث البيئي، صار معدلها قياسياً ومنذراً بكارثة! ومع كل هذا التدهور يستمر مسار جسر الصبية متأبطاً نفوذه السياسي، وجشعه الاستثماري دون أن يرى أبعد من ذلك.
