جروح الشيخ جرّاح

جروح الشيخ جرّاح
لم تكن الشمس اللاهبة، ولا عطش الصيام عائقاً أمام الجماهير التي احتشدت في ساحة الإرادة أمام مجلس الأمة الكويتي، حيث وقف المئات من المواطنين والمقيمين في مشهد رائع مُندّدين بممارسات الكيان الصهيوني في القدس وفي حي الشيخ جراح بالتحديد.
كانت الهتافات تعود بنا إلى أيام الزهو والكرامة العربية، حين كان النضال الفلسطيني عنواناً وقدوة لنضالات الشعوب في أكثر من بقعة حول العالم، كان ذلك قبل أن تتحول قضية العرب الأولى من قضية عربية لتصبح قضية إسلامية تسلم القيادة فيها مختلف تيارات الإسلام السياسي، وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين، الذين نادوا بالجهاد في أفغانستان وباكستان والصومال والعراق وسوريا وعوالم أخرى، لم يكن من بينها الجهاد في فلسطين ولا من أجل فلسطين!
تكمن عدالة القضية الفلسطينية من حيث كونها مطالِب مشروعة في وجه من اغتصب أرضاً، واستوطن منازل، واستولى على ممتلكات، وهجّر آمنين، وقد استطاع الفلسطينيون أن يستقطبوا تعاطف العالم بأكمله لأنهم قدّموا قضيتهم بصفتهم أصحاب حق مُغتَصَب، فلَم يكن هنالك بُعد ديني أو إثني حينها، وإنما حقوق مُغتَصَبة وممتلكات مُصادَرة يُطالب أصحابها بحق استردادها، إلى أن تمّت أسلمة القضية، وتداخَلَت معها طموحات ومشاريع القوى الأصولية مع الحقوق الشرعية والسياسية المُستَحَقة، فَتَبدّدت وتوزّعت الحصص “النضالية” بين طوائف ومِلَل وأحزاب وبشكل استنزف كل الجهود.
لقد أدت أسلمة الصراع العربي – الإسرائيلي إلى دخول قضية عادلة كالقضية الفلسطينية خانة الصراع الديني بين المسلمين واليهود، وهو صراع تعلم جميع الأطراف أنه بلا حدود ولا نهايات، فالطرح العقائدي للقضية بدلاً من القومي أدخلها في نفق مغلق بالأيديولوجيات الدينية، اختزل القضية من قضية وطن وحق مسلوب إلى صراع يهودي – إسلامي ضاعَفَ من حجم المعاناة والخسائر.
الجميع وبكل أسف استثمر سياسياً في قضية فلسطين العادلة، إيران من جهة وتركيا من جهة أخرى، ودخلت على الخط باكستان وجاراتها، وفصائل جهادية بعدد أحرف اللغة، كلٌّ حمل مشروعه مُغَلّفاً ومُحصّناً بعدالة القضية واستحقاقاتها، وظل الجميع يُهرول ويُراوح دفاعاً عن مشروعه مُتسلّقاً عدالة القضية!
قضية حي الشيخ جراح التي فجّرت الأحداث أخيراً، هي إعادة لسيناريو تهجير الفلسطينيين وطردهم من أرضهم ومساكنهم، فمطالب الإخلاء التي يواجهها أهالي حي الشيخ جراح تتعامل بالمنطق العدواني الصهيوني نفسه في عام 1948 حين احتل الصهاينة منازل الفلسطينيين بالقوة والعنف، لذلك يجب أن تبقى في ظل هذا الإطار، أي بين أصحاب حق آمنين في مساكنهم وإسرائيليين مُحتَلين مُغتَصِبين، أما أن تتحول إلى قضية دينية فضفاضة قابلة للتبرير والتأويل من أطراف مختلفة، كل يحمل مشروعه، فإن ذلك يعني تغييباً لأي بُعد وطني أخلاقي وحقوقي خاص بالفلسطينيين وحدهم.
لقد استطاعت تيارات الإسلام السياسي تحويل عروبة القضية، وذلك من خلال استثمارها فى رمزية القدس والمسجد الأقصى، فعِبر الأقصى جيّشت العواطف والمشاعر الجماهيرية وربطَت المقاومة بالانتماء الحزبي الضيق، وحوّلت الشعار من فلسطين قضية العرب الأولى إلى قضية المسلمين المركزية.
من الواضح، ووفقاً لمعطيات الأحداث الأخيرة في الأراضي المحتلة، فإن المقاومة الشبابية الفلسطينية التي بثّت الرعب في إسرائيل، قد شمَلَت الأطراف كافة، ولم تحرّكها نزعات أيديولوجية فارغة، وإنما ظروف معيشية وسياسية دفعتها دفعاً للأمام وحرّكت معها شباباً عرباً يحاولون المقاومة والدعم ولو افتراضياً أو عبر وقفة احتجاجية.
دعونا من وهم التطبيع وما صاحبه من كوميديا سياسية فارغة، فالشباب العربي اليوم أصبح مدركاً وبشكل واضح للمخاطر التي يُشكّلها الكيان الصهيوني على الأمن القومي العربي من دون استثناء لأي بقعة منه، وبأن المشروع الصهيوني يُهدّد استقرار المنطقة وأمنها كلها، وبكل دولها، وأيضاً من دون استثناء لأي دولة فيها، وبأن احتمال أن تخدشنا يوماً ما جروح حي الشيخ جراح هو أمر واقع وليس مُتَوَقّعاً، فالعدو كان وسيبقى واحداً ونحن جميعاً بالنسبة له مجرّد عرب أشرار.
