تشريع وقانونقضايا الوطن

جدل السفهاء

جدل السفهاء

بدأت الإعلانات عن مهرجان “هلا فبراير” تتصدر صفحات الصحف وواجهات المحلات، وغير ذلك من وسائل الإعلام الأخرى، وقد استعرضت الحملة الإعلانية أوجه النشاط التي سيبرزها المهرجان والفعاليات المساهمة فيه، وهو أمر جعل الكثير منا يتساءل عن أسباب ودوافع الضجة التي اختلقها تيار الإسلام السياسي في هذا الوطن تجاه المهرجان بشكل عام، على الرغم من أنه لم يأت بجديد أو شاذ، بحيث يرى فيه هؤلاء بدعة قد تثير فتنة!
وبخلاف إغلاق شارع سالم المبارك بوجه السيارات، فإن كل ما جاء في برنامج “هلا فبراير” لا يتجاوز حدود ما هو موجود أصلاً من نشاطات تمارس على مدار السنة، وتحت سمع ورؤية إخواننا وأخواتنا المحتجين على هذا المهرجان.
نعلم جميعاً، ويعلم أولئك المحتجون على المهرجان، أن أنشطة “هلا فبراير” لا تخرج إطلاقاً عن حدود المعقول والمقبول اجتماعياً، ولا تشكل تحدياً لدين وعقيدة استطاعت أن تصمد في وجه تحديات عصيبة عبر تاريخها، وهم يعلمون كذلك أن لا مجون في مهرجان تسوق مفتوح، ولا تعري في معارض فنية، ولا فتنة في غناء وطرب، ولا انحطاط وانحلال في مباريات رياضية، وكلها نشاطات يحويها مهرجان “هلا فبراير”. إن المعارضين للمهرجان لا ينكرون ذلك في داخل أنفسهم، بمن فيهم النواب الأفاضل أصحاب العريضة المنادية بوقف “هلا فبراير”، لكنها فرصة ذهبية لتسجيل موقف يكون بأيديهم كورقة اللعب في الانتخابات القادمة.
من المحزن والمؤسف في آن واحد أن تنسب مواقف والتزامات سياسية كهذه للدين وللعقيدة، وأن يؤخذ على الإسلام، دين النور والتنوير، ذلك الظلام الفكري الذي يعيشه ذلك البعض، وأن يصبح الدين مطية لكل صاحب طموح سياسي أو حزبي، ولكل ذي حالم بكسب ونجاح انتخابي.
إن ردود الفعل السفيهة والمتعصبة تجاه أمور هامشية لا تخدم الدين ولا تحفظ العقيدة، إن دلت على شيء فإنما تدل على عجز تيار الإسلام السياسي عن التعامل مع تحديات أخرى جوهرية ومصيرية، وتلك حقيقة يحذر منها أكبر رجالات الدين الحقيقي والعقيدة الراسخة، ففي لقاء أجرته جريدة “القبس” مع الرجل المفكر والداعية الإسلامي، المرحوم الإمام محمد الغزالي، لخص خلاله، رحمه الله، الأزمات الحقيقية التي يجابهها الدين الإسلامي، والتي يرى أن أهمها: “أن الأمة الإسلامية هي خمس العالم من ناحية التعداد، تبحث عنها في حقول المعرفة فلا تجدها، في ساحات الإنتاج فلا تحسها في نماذج الخلق الزاكي والتعاون المؤثر والحريات المصونة والعدالة اليانعة، فتعود صفر اليدين، بماذا شغلت نفسها؟! بمباحث نظرية شاحبة وقضايا جزئية، وانقسامات ظاهرها الدين وباطنها الهوى، واستغرقها هذا كله، فلم تعط عزائم الدين شيئاً من جهدها، فكانت الثمرات المرة أن صرنا حضارياً وخلقياً واجتماعياً آخر أهل الأرض في سلم الارتقاء البشري”.
ما أحوجنا اليوم إلى رجالات فكر ونور ودين وعقيدة مستنيرين، كالتي كان عليها شيخنا الغزالي، رحمه الله، والذي لا يشك أحد في ورعه ودينه المخلص والخالص لله وللعقيدة وحدها، ولرؤيته الصريحة والجريئة لما أصبح عليه الدين الإسلامي في يومنا الحاضر، والذي يرى فيه محمد الغزالي واقعاً سيئاً تحاصره حكومات فرعونية ومتدينون منشغلون بالقمامات الفكرية، ومتخصصون بالتفاهات، من الغلمان السفهاء بعلم مغشوش وجهل مركب، من الذين هجموا على الصحوة الإسلامية فنفروا الناس من الإسلام.
لا شك بأن الحرب التي أشعلها البعض على مهرجان “هلا فبراير” تعكس ذلك الواقع الذي حذر منه شيخ الإسلام محمد الغزالي، وتصور درجة السفاهة التي أصبح عليها طرح “المدافعين” عن الإسلام، بعد أن تنازلوا عن عقلانية وحكمة الدين الإسلامي، واستسلموا لجدل القضايا الجزئية التي جعلتنا كأمة إسلامية نتحرك في موضعنا أو إلى الخلف، وجعل بيننا وبين كتابنا بعد المشرقين، على حد تعبير الشيخ الغزالي، رحم الله شيخنا الفاضل، وأنار الرحمن طريق السفهاء التائهين، إن شاء الله.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى