
يختلف مفهوم الخير والشر في الديانات الشرقية القديمة عنه في الديانات السماوية الثلاث! فعلى سبيل المثال كان الاعتقاد السائد عند السومريين والبابليين أن الخير هو من صنع الإلهة العظيمة مردوخ وانليل، وأن الشر هو من صنع الإلهة الأدنى منها نمو وتيامت! أما الزرادشتية فتؤمن بوجود إلهين، أحدهما يدعى أهودا مزدا، يمثل النور والخير، والآخر يدعى أهريمان، يمثل الظلام والشر! وتأتي البوذية لتجعل من “الأنا، الذاتية” مصدراً لكل الآلام والشرور، لكن خطيئة الإنسان قابلة للإصلاح، وهي ناتجة عن جهل يستلزم الإنسان عودة متكررة إلى هذه الحياة إلى أن تخلق “الكارما” فيه توازناً طبيعياً! لذلك فإن مفهوم الخير والشر في البوذية باعتقادي هو مفهوم غير صحيح، وإن كانت بعض الأدبيات البوذية تشير إلى أن “الأنا” بمنزلة الشر في مقابل الروح أو “اللا أنا” أو “أناتمان” بمنزلة الخير!
لم ينقطع الإنسان ومنذ بدء الخليقة عن البحث عن تعريف محدد للخير والشر، وتعاقب الفلاسفة عبر التاريخ في تفاسيرهم المختلفة، لكننا اليوم وفي ظل تصاعد حدة الشر في النفس البشرية، رغم كل القوانين والمواثيق التي تحاول أن تهذب منها، كمبادئ حقوق الإنسان وغيرها، نجد أنفسنا لا نزال نبحث في الفلسفة والعلم والدين عن مصدر الخير والشر ومفهومهما في النفس البشرية!
بالنسبة لأفلاطون، وفرويد، وداروين، فإن الإنسان ورث الخطيئة والشر من آدم أبي البشر، وأنه حين يصبح خيّراً يكون قد تجرّد من حواسه الجسدية، وسما بالروح عن الجسد! ومعنى ذلك أن الإنسان حين يولد، يولد والشر معه! وأن التربية والتهذيب هما اللذان يهذّبان هذه النزعة فيه!
بينما يختلف معهم بعض فقهاء الدين، الذين يرون أن الشر عارض على النفس البشرية، وليس أصل خلقتها.
تبقى إذاً جدلية الخير والشر مفتوحة للبحث، وإن كان أغلب ما ذكرته تلك البحوث في هذا الصدد يصب مباشرة في أن الطبيعة الإنسانية مزدوجة في إطارها العام، فهي مادة من جهة، وروح من جهة أخرى! اختلفت التسميات، وبقيت جدلية الشر والخير سراً من أسرار الحياة، والنفس البشرية!
