
في الأسبوع الماضي، تناول ثلاثة كُتّاب في ثلاثة مقالات منفصلة تداعيات الإجراءات التي تتخذها الدولة اليوم حيال ملف الجنسية وقوانينها والتجاوزات التي عليها وما إلى ذلك.
الزميل أحمد الصراف تحدّث في أنه وللمرة الأولى في تاريخ الكويت يتعرّض هذا العدد من المواطنين لخطر سوء تفسير المادة 8 من قانون الجنسية واحتمال حرمانهم بعد سنوات طويلة من الزواج والإنجاب وبعد التنازل عن سابق جنسياتهم، أما الزميل حسن العيسى فهو يرى أن الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي لم تعد تتحدّث سوى عن قضايا سحب الجناسي أو إلغائها، وبحيث أصبحت فئات عريضة من المجتمع تضع أيديها على قلوبها لا تعرف متى سيأتي عليها الدور لتكون عند خانة السقوط في هوّة ضياع الهوية والوطن، بينما تناول الزميل مظفر عبدالله نبرة العنصرية التي بدأت تشتد في مجتمعنا بسبب إجراءات الحكومة بشأن التجنيس، وهي نبرة تجاوزت مسألة تطبيق القانون إلى الدخول في مناطق، حرّمها الدين والشرع، بالتعرّض للأصول والجذور والدول الشقيقة.
يثير ما ذكره هؤلاء الزملاء، وأيضاً ما يدور في الساحة من جدَل حول قضية الجنسية وتوابعها وتداعيات قوانينها، مسألة الهوية الوطنية والانتماء بشكل عام وفي أي دولة أو مجتمع، وغالباً ما تكون مثل هذه المسألة حساسة وحرجة في المجتمعات التي يسودها الطابع القبلي أو الطائفي، وتتراجع فيها المؤسسات المدنية والدساتير والقوانين والديمقراطية والحريات، وهو ما ينطبق على مجتمعاتنا العربية في الغالب، لذلك بقيت وتبقى مسألة الهوية الوطنية والانتماء من المسائل الشائكة والمُعَلّقة والجدلية، سواء على المستوى الشعبي وبين عامة الناس، أو على المستوى الرسمي بين الحكومات ومؤسسات الدولة.
لقد حسَم الغرب، فلسفياً وسياسياً واجتماعياً، إشكالية الهوية الوطنية والانتماء من خلال اعتماد العقد الاجتماعي كمخرج آمن ومُستَدام لأي طارئ أو مشكلة. ففي ظل تشابك وتداخل العلاقات داخل أي مجتمع، تبرز الحاجة لتنظيم مثل تلك العلاقات ضمن إطار قانوني فاعل يحدّد مسألة الانتماء والمواطَنَة على هيئة قوانين مدنية لا يحكمها العرق ولا الطائفة، وهو بالتحديد ما سعى اليه الغرب والذي لم تخترق أمنه ولا سيادته مئات الآلاف من اللاجئين من كل لون وبيئة.
في عصور الظلام التي سادت أوروبا قديماً، تحكّمت الدولة القومية في مصائر دولها، وحكَمَت تلك العلاقات، إلى أن انتقلت أوروبا مع عصر التنوير من رابطة الدم والعقيدة إلى رباط المدينة والمجتمع الحداثي، فعاشت فيها في ما بعد أقوام وأجناس من كل لون وعرق ودين، تحكمهم قوانين لا علاقة لها بالدم ولا بالعرق ولا بالعقيدة، فقط قوانين وهيئة مدنية تنظّمها حريات في إطار مصلحة واستقرار الدولة بكل أطيافها.
ستبقى مسألة الهوية الوطنية والجنسية والانتماء مسائل عالِقَة، سواء في الكويت أو في أي بلد عربي آخر، قد يكون بالاستطاعة محاصرتها وقتياً، وكما يحدث اليوم في إجراءات سحب الجنسية في الكويت، لكن لن يكون بالإمكان إصلاحها وبشكل يمنع تراكمها مستقبلاً، إلا من خلال تغيير مفهوم المواطَنَة لدى الإنسان العربي بشكل عام، ولنا في التجارب الأوروبية خير مثال، خاصة مع توافد مئات الآلاف من المهاجرين من كل بقاع الأرض، مهاجرين عرب وأفارقة وآسيويين، ومن كل عرق ولون ودين، استطاعت قوانين الدول المُضيفَة أن تحتويهم في زمن قياسي، اكتسب اغلبهم جنسية وهوية تلك الدول وفقاً للقانون وليس للمزاج ولا للصدفة، يعملون ويعيشون فيها بأمن واستقرار وسلام، وبلا خوف يدفعهم للاحتماء بهوية محدّدة، بل بقوانين صلبة وعدالة لا تستثني أحداً، وهذا بالتحديد ما نفتقده في عالمنا العربي بشكل عام، حيث تُشكّل الهوية، لا القوانين والعدالة، الجدار الذي نحتمي به حين يمسّنا الخوف.
