جبهة القتال.. وجبهة قاعة السينما

جبهة القتال.. وجبهة قاعة السينما
يقول المؤرخ الأمريكي ديفيد ميرس في أحد كتبه حول دور السينما، وبالذات هوليوود، في الحروب: “بين العامين 1939–1942 أُنتِجَ 1313 فيلماً روائياً في العالم، وكان ثلث تلك الأفلام متعلقاً بالحرب، حيث قامت حكومات الدول الكبرى بتجنيد مخرجي الأفلام ليخوضوا حرب ما قبل الحرب، وهي الأصعب على الإطلاق، لتكون السينما سلاح حرب الإقناع، أو ما يُسمى الدعاية” انتهى.
الحروب اليوم، ومنذ أكثر من ثلاثة عقود أصبحت أكثر من أن تُحصى، وجميعها حروب تقف خلفها أجهزة إعلامية دعائية ضخمة، إما بهدف تهيئة الأجواء لها، وإما بهدف تبرير إشعالها وترويج السرديات الداعمة والمبررة لها.
في عام 1984 أُنتِجَ فيلم Best Defence، الذي قام ببطولته إدي ميرفي، وتدور أحداث الفيلم حول تهديد العراق للكويت والتي تستعين بالحكومة الأمريكية ويتم إرسال الضابط ايدي ميرفي لتدريب الجيش الكويتي على نوع متطور من الدبابات وهنا تحدث مواقف كوميدية. والسؤال هنا كيف يُمكن لكاتب ومنتج وممثل كوميدي أن يتنبأوا بتهديد العراق للكويت وينتجوا فيلماً يتناول مثل هذا التهديد، في وقت (1984) كانت فيه العلاقات العراقية – الكويتية في أحسن حالاتها ولم توجد حينها أي مؤشرات عن احتمال أن يحدث ما حدث من غزو.
تطوّرت الحروب اليوم ومعها تطوّرت أدوات التنبؤ وآلياته، ولم تعد مثل هذه الحروب محددة بتضاريس جغرافية معينة ولا بدول بعينها، بل أصبح خطر الحروب اليوم عالمياً، وبحيث يؤدي اشتعال حرب في بقعة ما إلى تهديد مباشر لدولة بعيدة جغرافياً وسياسياً، لذلك خرجت مؤخراً أفلام هوليوود ونتفليكس لِتُجاري مثل هذا التوسع الجغرافي في الحروب، وأصبحت الأفلام المطروحة اليوم تتناول كيفية انتشال (النخبة) في العالم وإنقاذها من الدمار، فجاء فيلم “لا تنظر للأعلى” ليصوّر طبيعة المخاطر المستقبلية ووسيلة تفادي الدمار لأولئك الذين يملكون أدوات الحروب ودمار العالم.
أخيراً، ظهر فيلم حديث على نتفليكس بعنوان “اترك العالم خلفك” والذي يُقال إن أوباما، الرئيس الأمريكي الأسبق، وزوجته قد ساهما في صياغة محتواه. وعلى الرغم من تصدّر النجمة جوليا روبرتس فريق التمثيل في هذا الفيلم، فإنه جاء ضعيفاً من ناحية الإخراج، وركيكاً في حبكته، لكن الرسالة من ورائه كانت واضحة ومباشرة.
يحكي الفيلم قصة عائلة تستأجر منزلاً جميلاً على الشاطئ في إشارة هنا إلى فكرة المدينة الفاضلة، لكن سرعان ما ينقلب هذا الجمال إلى رعب، حيث تتعطل كل أنظمة الملاحة والإنترنت وتتوقف الحياة تماماً في لونغ آيلاند حيث تدور الأحداث، ثم تبدأ الحوارات بين شخصيات الفيلم حول مصدر مثل هذا الهجوم السيبراني، فتشير إلى الخطر الصيني – الكوري الذي شن هجوماً على أمريكا، ثم يتناول أحد الممثلين قصاصات ورق تم اسقاطها عبر طائرات وتحمل عبارات “الموت لأمريكا”، متهماً إيران بأنها وراء هذا الهجوم!! ولم يكلّف المخرج نفسه في توضيح أن إيران لن تُسقِط، إن هي أرادت، قصاصات ورق باللغة العربية على ولاية أمريكية !! فإيران دولة تتحدث الفارسية وليس العربية والشعب الأمريكي لا يتداولها كلغة، وهو ما أضاف عنصراً من السذاجة على الفيلم إضافة إلى سطحية الحبكة.
وفقاً لما ورد أعلاه، فإن الرئيس الأمريكي الأسبق وزوجته ميشيل قد شاركا في صناعة هذا الفيلم، وهو المعروف عنه وبالتعاون مع وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون، بكونهم من مؤيدي ومروجي نظرية الفوضى الخلاقة في منطقة الشرق الأوسط، وقد كان ذلك واضحاً في حوار دار ضمن أحداث الفيلم، حيث تقول إحدى الشخصيات إن هذا الهجوم السيبراني والإشعاعي يسير وفقاً لخطة ثلاثية المراحل، تبدأ في عزل المنطقة المُستَهَدَفَة، ومن ثم إثارة الفوضى فيها، وأخيراً اشعال الحروب الأهلية بين شعوبها. وهو نفس المنطق والتسلسل الذي تناولته إحدى حركات الإسلام السياسي في رصدها لأحداث المنطقة.
فيلم “اترك العالم خلفك” مُقتَبَس عن رواية تصدّرت قائمة الكتب الأكثر مبيعاً، ورشحها باراك أوباما كواحدة من قراءاته المفضلة، لتتحول هذا العام إلى فيلم يفتقد أدنى درجات المهنية، لكنه حمل رسالة سياسية مباشرة لينضم إلى أسلحة كثيرة في حرب ناعمة تُنافِس الكاميرا فيها المدافع والقنابل، ولتُشكّل نوعاً من الإقناع بضرورة الحرب ومسوغاتها، وهو ما تحدّث عنه في السابق الرئيس الأمريكي روزفلت حين قال إنه مؤمن بأن السينما جزء ضروري ومفيد في المجهود الحربي، فكان أن جرّت الولايات المتحدة هوليوود للقتال في جبهتين، جبهة السلاح، وجبهة قاعة السينما.
*
خالص العزاء لأسرة الفقيد ناجي سعود الزيد وللصحافة الكويتية. رحمك الله يا بوسعود.
