شئون عربية

ثورة البيان رقم واحد

ثورة البيان رقم واحد

حديث العقيد “القذافي” الأخير الذي أدلى به بحضور جمع كبير من الطلاب والأساتذة في جامعة القاهرة، لا شك حديث يثير الحزن والأسف والأسى على ما حاق بالعقل العربي بوجه عام. فعلى الرغم من الإهانة التي وجهها الزعيم الليبي للكويت كدولة وشعب في حديثه ذاك، والذي يعد مساً بسيادة الكويت واستقلالها. فإن كلام “القذافي” وتصريحه هذا يشكلان طعنة مؤلمة ويلقيان بشكوك مظلمة على حقيقة ووجه المستقبل السياسي العربي ووجهه الذي ننتظره فيما هو قادم من أيام!!
قد لا تكون بحوزتنا إحصاءات عن التدهور الذي أصاب البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية في “ليبيا” منذ ثورة الفاتح من سبتمبر عام 69. وإن كانت كل الدلالات الراهنة بالإضافة إلى شهود عيان عاصروا وشاهدوا ذلك التدهور، تقول بصحته وحقيقته.
لقد جرت العادة دائماً على إلقاء اللوم في التخلف، والعنف السياسي، وتراجع التنمية، على أنظمة الحكم الملكية والوراثية. حتى لقد التصقت صفة “الأنظمة الرجعية” وتسميتها لتصبح مرادفاً لأنظمة الحكم الملكية في مقابل الأنظمة الثورية والحركات التصحيحية.
الآن، وأمام هذه الإخفاقات التي لحقت بكل الثورات العربية وحركات التصحيح والإصلاح، يقف العقل العربي، وقفة مراجعة بعد أن خذلته شعارات ونداءات عجز مروجوها عن الوفاء بها.
“القذافي” كما غيره من رواد حركات تصحيحية وثورية أخرى، ليس ملكاً.. ولا وريثاً لملكة، بل مصححاً وثائراً، أو لنقل إنه كان من المفروض أن يكون ذلك. والقذافي أيضاً وكما غيره، لم يوفر إصلاحاً، ولم يأت بواقع جديد، بل بقي مراوحاً في ذات الواقع الذي ثار عليه وانتقده. تماماً كما غيره من الشخصيات والرموز الثورية التي بقيت جامدة ثابتة على مدى ربع قرن من الزمن والتاريخ العربيين.
الثورات وحركات التصحيح العربية جاءت مخيبة، ليس لأن التنوير، والمطالبة بالتغيير عوامل مثيرة للقلق، ولا لأن الجمود عامل من عوامل الاستقرار، وإنما لأن الثورات العربية ومنذ مطلع الخمسينيات قد ارتفعت وتفجرت في فراغ، وبمعزل عن كيان الدولة الحقيقي، أو إطار مؤسساتي ناضج. فخلاف ثورة يوليو في مصر، التي انطلقت من بنيان وكيان واضح المعالم، فإن غير ذلك من حركات عربية، لم تتعد كونها حركات تمرد غاضبة ما لبثت فورتها أن خمدت.
لكي تكون الثورة فعالة وحقيقية، عليها أولاً أن تخلق إطاراً تنطلق من خلاله.. بمعنى أن الثورة تتطلب أولاً وجود دولة.. وكيان يتم التثوير في إطاره.. وأساساً يهدف التغيير إلى إصلاحه وتعديله، وتلك مسألة، غير متوافرة في الكيانات العربية التي خلفها الاستعمار، قبل أن يرحل عن المنطقة العربية مع منتصف هذا القرن.
الثورة، بمعنى التغيير أمر حتمي، وتطور تاريخي، لا يخضع لنزعات الرغبة والتمني، وإذا كان الخطأ العربي الفادح، والذي يدفع المواطن العربي ثمنه من مستقبله، وخطط تنميته، ومعاشه، من جراء ذلك اللبس والخلط في مقومات الثورة والإصلاح.
نقول إذا كان ذلك قد دفع المواطن العربي لليأس بكل محاولات التغيير، وأدى به إلى أن يرضى “بزعيم” مثل “القذافي” وأن يقبل بطاغية مثل “صدام حسين“، فإن وعياً عربياً.. ومراجعة جذرية قد باتت تلوح في الأفق والواقع العربي، لمسناها ونحن نتابع فاصل الضحك المتواصل من الذين تابعوا حديث الزعيم الليبي، ونشهدها بشكل أوضح من خلال تنامي الوعي العربي الحديث وإدراك الفرد مؤخراً للحاجة الملحة لبناء مجتمع اقتصادي وإرساء دولة مؤسسات متكاملة والخروج بالديمقراطية والتنمية الاقتصادية من خانة التنظير، إلى خانة المطالبة والتطبيق. هنالك وعي حقيقي لا تخطئه العين، بأن السبيل للقضاء على أنظمة الفساد والتخلف، سواء كانت في ليبيا، أم في العراق، لا يكون إلا من خلال بناء دولة ومجتمع صلب ومتماسك، يحتوي التغيير وتكون الثورة في إطاره.
كلام “القذافي” الأخير مؤلم ومحزن في آن واحد. وهو إن كان قد أساء إلينا مباشرة في هذا الوطن، ومس استقلاليتنا وكياننا، فإن ذلك ليس بالأمر الجديد علينا، فلقد طالنا من قبله الكثير من مخلفات ثوار السياسة العرب، والمتقوقعين في خانة البيان رقم واحد. وما دعوة النظام العراقي للوطن سوى واحدة من تبعات ذلك التخلف السياسي الثوري العربي، وتشنجات مروجي “ثورة حتى النصر” وعنف وفقر حتى الموت!!
الثورة، سياسية كانت أم اقتصادية، ما هي سوى وسيلة وسبيل لتحقيق طموحات شعب، وبدء مشاريع وتنمية، ومشكلة “القذافي” إذن هي أن الثورة غاية بحد ذاتها.. تحققت للشعب الليبي مساء يوم الفاتح من سبتمبر 1969. وتجمدت إنجازاتها في إطار البيان الأول، وتحققت تطلعاتها في إعلان الكتاب الأخضر “المقدس”.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى