
لا مخرج من المآزق والأزمات المتواصلة التي تحيط بنا في الكويت، إلا بمشروع وطني صادق يدعو، في الدرجة الأولى، إلى فك هذا الارتباط الخاطئ والمكلف بين الدين كفكر وعقيدة مركزهما القلب والوجدان، وبين السياسة كعالم معقد من التحولات والمتغيرات والمستجدات!
في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر أدركت المملكة العربية السعودية خطورة مثل هذا الارتباط الذي اعتمده مؤسسو المملكة منذ أكثر من ثمانين عاماً، وبدأت بالفعل أولى خطوات الصحوة المعاكسة فيها بعد أن اتضح أن خمسة عشر من المشاركين في أحداث الحادي عشر من سبتمبر هم من الجنسية السعودية، مما يعني أن هنالك غلواً في تفسير الدين وتطبيقه بات من الضروري معالجته! وأصبحنا نسمع عن ملاحقة لمن أصبح يطلق عليهم “الفئة الضالة”، وتحجيم لبعض أنشطتهم، بل وصل الأمر في أحيان كثيرة إلى منع بعض المتشددين من عقد الندوات والخطابة في المساجد!
يحدثني زميل سعودي أن الكويت أصبحت ملاذاً لهؤلاء، الذين يستغلون مناخ الحرية لممارسة تطرفهم، ووعظهم البعيد كل البعد عن سماحة الدين ويسره وسموه! وبالفعل فقد ازدحمت الساحة الكويتية في الأعوام الأخيرة بعشرات “الوعاظ” ورجال “الصحوة” الذين ضاقت بهم بلدانهم، فاتجهوا إلى الكويت لعقد الندوات وإطلاق الفتاوى والتصريحات المختلفة!
قد يكون ذلك بالفعل ضريبة تدفعها الكويت لتصدرها قائمة الدول الأكثر حرية وانفتاحاً، وقد تكون للديمقراطية مساوئها المتمثلة في فتح الساحة للجميع بمن فيهم الإخوة من الدول الشقيقة والصديقة، لكن يبقى هناك خط أحمر حقيقي تترجمه مصلحة الكويت العليا، وأمنها وأمانها واستقرار أهلها بعيداً عن الأزمات والمخاطر!
هنالك تزامن بين التدهور على جميع الأصعدة وتدني الحس الوطني وشرر التعصب الطائفي وبين سيادة الإسلام السياسي على الساحة الكويتية! وعلى الرغم من كثرة “الدعاة” الجدد، وكثافة الخطب والندوات الوعظية فإن التدهور مستمر ليس على المستوى السياسي والأداء البرلماني وحسب، وإنما كذلك على المستويين الأخلاقي والوطني!
إصرار بعض نواب الأمة على ربط الدين بالسياسة جعلهم يتحدثون اليوم عن ثوابت عقائدية في مجتمع كالكويت يحتضن أطيافاً من العقائد التي يرى أصحابها أنها أيضاً ثوابت، وبالتالي فإن ذلك سيجرنا جميعاً إلى الدوران في دائرة ضيقة لا تخدم أحداً، بل تهدد استقرار الجميع! هم يتحدثون عن ثوابت يرونها خطوطاً حمراء، وذلك بحد ذاته يقطع لغة الحوار التي من دونها لا يمكن للنهج الديمقراطي أن يسير، ولا للبلد أن يتحرك أو ينمو ويستقر!
لقد بدأ عصر النهضة في أوروبا مع ثورة رجل الدين مارتن لوثر حين علق على باب كنيسة ويتنبرغ في ألمانيا أطروحته الشهيرة التي قال فيها إن خلاص الإنسان لا يمر عبر رجال دين مهما بلغ شأنهم، بمن فيهم قداسة البابا، وإن الدين علاقة مباشرة بالرب، وبذلك فهو لا يخضع للمزاج السياسي! كان ذلك في عام 1517، لتبدأ بعده رحلة النهضة الأوروبية، التي تجني شعوبها الآن عقلانيتها، وطروحاتها التي أعطت للكنيسة حقها، وللشأن السياسي حقه!
نحن الآن بحاجة إلى داعية يدعو إلى صحوة معاكسة تعيد للدين حقه، بعد أن أصبح أداة في يد بعض الناخبين، ووسيلة يعتاش منها بعض أهل السياسة وأرباب المال! فمن دون ذلك سنبقى نجترّ أزماتنا، ونراوح مكاننا!
