
**هناك خلل جذري في العملية التعليمية بوجه عام يتطلب معالجة سريعة وجادة، يتجلى في وجهة نظر بعض الطلبة الذين يقولون: عدم الغش في الامتحان سذاجة وغباء لسهولة هذه العملية**
* * *
التقرير الذي نشرته “القبس” مؤخراً حول ظاهرة الغش في المدارس، هو بلا شك تقرير خطير ومرعب، والنسبة التي وردت في الاستبيان تقول بأن ٪72 من الطلاب غشاشون و٪40 من الطالبات كذلك، وهي نسبة تتطلب معالجة جدية من الجهات المعنية بالعملية التربوية والتعليمية بشكل عام.
تعتبر المؤسسات التعليمية مصانع لقوى العمل، تمول المجتمع بحاجته من الطاقات والكوادر، فهذه المؤسسات تشارك الأسرة والبيت في تهيئة الفرد وتشتته للانخراط في المجتمع والمساهمة فيه. وذلك دور رئيسي يتصدر ولا شك أولويات أية مؤسسة تعليمية وفي أي مجتمع كان. وبحيث تتحمل تلك المؤسسات بصورة مباشرة مسؤولية أي قصور أو خلل في عملية إعداد الفرد وبنائه. وإنطلاقاً من تلك المسؤولية، فإن جانباً كبيراً من جريمة الطلبة هذه، إن لم يكن جميعها، يقع على عاتق المؤسسات التعليمية والعاملين فيها.
عند سؤالي لبعض الطلبة، حول موضوع الغش وعن حقيقة النسبة المدونة في استبيان “القبس” أشار معظمهم إلى أن هنالك ظروفاً عديدة تهيئ للطالب فرصة لمثل تلك التجاوزات، وتدفعه إلى هذا السلوك، منها سهولة عملية الغش. فالعملية لا تحتاج إلى جهد يذكر، ودخول الامتحان بأوراق وبراشيم، أو الاستعانة بطلبة آخرين في قاعة الامتحان، هو أمر سهل ويسير بصورة تجعل بعض الطلبة يرون في عدم الغش سذاجة وغباء.
ولعلّ في وجهة النظر هذه، والتي أبداها بعض الطلبة، ما يشير إلى أن هنالك خللاً جذرياً في العملية التعليمية بوجه عام، يتطلب معالجة سريعة وجادة.
لا شك أن مخرجات التعليم العام تعتبر متدنية وبصورة مقلقة، ولقد لمس الجهاز التعليمي في المؤسسات التعليمية العليا مثل: الجامعة والمعاهد، درجة ذلك التدني والذي يصل أقصاه في مجالات اللغة الأجنبية والرياضيات، مما يفسر نسبة الغش المرتفعة في هذه المجالات، وكما وردت في الاستبيان محور الحديث.
غير أن هذا التراجع في مستوى الطلاب، ليس بسبب الغش وكما يحاول البعض أن يفسر، بل أن الغش يأتي نتيجة لعوامل الخلل المتمكنة من جهازنا التعليمي بوجه عام.
إن ثلاثية العملية التعليمية تنحصر في: المنهج الدراسي والمعلم والطالب، وهي كلها عناصر ترزح تحت وهن الروتين، والأسلوب التقليدي اللاحديث، فالتعليم لا يزال وظيفة من لا وظيفة له، والمنهج الدراسي لا يجاري الحداثة وشروطها، ولا يتطور وفقاً لتطورات المعرفة والعلم الحديثين، فكانت النتيجة المنطقية، طالباً يلجأ للغش بإسراف، ويصل إلى مقاعد الجامعة وهو بالكاد يفهم أولويات علوم كثيرة، كاللغة الأجنبية، والرياضيات. بل ولا يتوانى عند سؤاله على التأكيد وبعلانية لا يحسد عليها، أن الغش كان أداته الوحيدة لتجاوز سنوات التعليم العام. ويبدأ مسلسل الفصل والإنذارات في الجامعة، ولا يكف الطالب فيها عن إبداء تذمره واستيائه من نظام الجامعة وقوانين الإنذار والطرد!.
لعلّ القريبين من الشأن الطلابي في الجامعة، يدركون جيداً حجم الهوة التي تفصل بين مرحلة التعليم العام والتعليم العالي، فعلى الرغم من كل السلبيات التي تحاصر مؤسسات التعليم العالي، إلا أن هيكلها ونظامها التعليمي وأهدافه، تبدو أكثر رسوخاً ووضوحاً من التعليم العام بصورة يتقلص معها الغش ودوافعه.
المطلوب الآن، وأمام واقع أثاره استبيان “القبس” هذا، أن يعاد النظر وبصورة مستعجلة في التعليم بوجه عام، والوقوف على مكامن القصور التربوي والتعليمي، بشكل موضوعي تام، واضعين في عين الاعتبار أن الطالب هو ضحية، لا متجاوز، وأن الغش نتيجة لخلل في ثنائية المعلم والمنهج.
