
• لقد طغى المظهر على الجوهر بشكل مخيف، هدد فيه معايير تقييم البشر.
ناقش الفلاسفة، وبالتفصيل، ثنائية الجوهر والمظهر، ولعل أكثرهم إشباعاً للموضوع هو الفيلسوف إريك فروم، حيث يخلص فروم إلى القول إن توجّه الكينونة والوجود الإنساني الحق له ينابيعه ومصادره في الطبيعة الإنسانية، وأنه توجد أقلية بين البشر تنتمي إلى توجه التملك، وأقلية أخرى تنتمي إلى توجه الكينونة!
فهم النفس الإنسانية عند إريك فروم لا بد أن ينبني على تحليل حاجات الإنسان النابعة من ظروف وجوده، وهذه الحاجات خمس، وهي: الحاجة إلى الانتماء، والحاجة إلى التعالي أو التجاوز، والحاجة إلى الارتباط بالجذور، والحاجة إلى الهوية، والحاجة إلى إطار توجيهي، وإن الصور النوعية التي تعرب بها هذه الحاجات عن نفسها، تحددها الترتيبات الاجتماعية التي تعيش في ظلها!
ويقدّم إريك فروم أمثلة عديدة من أنواع الطباع التي تنمو في مجتمع رأسمالي، وعندما يفرض المجتمع على الإنسان مطالب تنافي طبيعته، فإنه يحبطه ويقيّده ويجعله غريباً عن موقفه الإنساني!
المظهر مهم ما في ذلك من شك، لكن حين يطغى، وبصورة كبيرة، على الجوهر، فإن ذلك يعتبر مؤشراً خطيراً على خطأ في المسار والرؤية، وتلك مسألة أصبحنا نلمسها وبوضوح في سلوك وتوجه شريحة كبيرة من شبابنا، الذين هم، من دون شك ضحايا لمجتمع يفرض مطالب على الإنسان قد لا يكون بمقدور الجميع مواجهتها!
حالة الهوس بالملابس والماركات والمقتنيات مثلاً، وقصر أنشطة الشباب التجارية على المأكولات والمقاهي والمطاعم وملابس الموضة، هي بلا شك ظاهرة تستدعي منا التأمل والمراجعة، فليس من الطبيعي أبداً أن تكون كل المشاريع الشبابية في مجال الكافيهات والكب كيك والأزياء، ومن خرج منهم عن ذلك تخصّص في إعداد وإخراج الحفلات والأعراس!
هنالك قطعاً خلل ما تعززه حالة من الشره المجتمعي للاستهلاك، حولت أكثر من نصف المواطنين إلى مدينين تحاصرهم الأقساط والقروض! ولو كانت المسألة مقتصرة على حالة الترف التي يعيشها المجتمع الكويتي، والتي جعلت منه سوقاً نشطاً ومتحركاً لاستيعاب كل هذه الكماليات من أكل وشرب وملبس، أقول لو كانت المسألة كذلك فقط، لكانت المشكلة هينة، لكن مثل هذا الإسراف في إرضاء وتغذية المظهر كان على حساب الجوهر، وبشكل نلمسه كل يوم في منطق واطلاع ومقدرة هؤلاء الشباب!
لقد طغى المظهر على الجوهر بشكل مخيف، وبصورة أصبحت تهدد وتتدخل في معايير تقييم البشر!
لقد طغى حب التملك وتجميل المظهر على كل القيم الأخرى، وتلك مشكلة حذّر منها الحكماء وعلماء النفس، ففي حين يعلمنا بوذا الحكيم أن أسمى درجات النضج الإنساني هي ألا نشتهي ملكية شيء، يقول عالم الاجتماع ماركس إن الترف لا يقل رذيلة عن الفقر وإن الهدف من الحياة هو مزيد من تحقيق كينونتنا وليس الاستزادة من ملكيتنا!
لا نريد أن يتحول شبابنا إلى رهبان، لكن ما نشهده من إسراف في تأليه المظهر هو لا شك أمر مخيف يجعلنا نتوقف ونتساءل عن مكمن الخلل!
