
خجلي أنا منك يا كويت.. يوم تركتك وحدك تموتين.. ولذت أنا بالفرار.. محرجة أنا منك يا كويت.. حين خلفتك غارقة في دمائك.. ومحاصرة ببنادق أشباه الرجال.. ورحلت. لهفي عليك وقد بدوت كطفلة جميلة مبتورة الأطراف. ولكني لك اعترف.. أني فشلت أن أتحمل منظر الحزن في عينين؟ عجزت أن أتحمل رؤية كيفان أسيره وأنا عاجزة.. والأحمدي تحترق ولا أملك أن أسكب الماء فوق حجارة أرصفتها الحزينة.. والجهراء تلتف بالسواد، ولا أستطيع أن أقبل جبينها وأواسيها في حزنها. تسعون يوماً مضت منذ جاءت جحافل الشمال إلى وطننا الصغير.. كانوا خليطاً من الرعاع واللصوص.. هبطوا كسرب غربان جائعة.. فدنسوا ترابنا.. وأعدموا أولادنا.. وأحرقوا زرعنا.. تسعون يوماً وقطاع الطريق يتسلقون المنازل.. ويحملون الغنائم.. ويرحلون بها إلى بغداد.. تسعون يوماً.. وهم يسكرون ويعربدون.. والعالم المعتوه من حولهم يهلل طرباً للمغامرة.. تسعون يوماً وأبناؤك يا كويت تنفضهم لمسات التيار.. وتطفىء أعينهم سجائر التتار.. وأحذية الجنود تطأ الرقاب ومآذن الجوامع.
قررت يا كويت.. أن أخونك بالرحيل عنك.. وكان الطريق أمامي يلهث من فرط ما وطئته أرتال الغزاة.. والنخيل الباسقات أحناهن ثقل الهم والحزن. كان الفجر لا يزال ناعساً يتثائب.. والشمس تبزغ خجلى من عبث سود الضمائر.. وجنود النظام يزجون بجريدتهم (القادسية) من فتحات النوافذ.. فالواجب اليومي يحتم عليهم أن يتأكدوا من أن الجميع قد طالع صورة الزعيم مع الفجر.
شاء القدر.. يا فجر العمر.. وعذرا لذلك.. أن يكون هروبي عن طريق بغداد.. ويسخر القدر.. يا ملعب الصبا.. واستميحك العذر في ذلك أيضاً.. أن أبدل ثوبي بثوب امرأة عربية أخرى.. حتى لا تطالني قوانين النظام المسخ. فالهروب من (القطر) عقوبته الإعدام!! ويمضي الطريق.. والوقت لا يمر.. وكأنما أصاب الغضب ساعة الزمن.. فتوقفت عند حدودك يا كويت.. وتتوالى آثار مجونهم في المطلاع حيث بدلوا الأسماء.. وتزداد عربدتهم في العبدلي حيث نسفوا المباني.. وفجروا المساجد.. وتفوقوا على اليهود في محاربة الإسلام.
ويسرع بنا الطريق لاهثاً.. حيث أسقطوا الحدود.. وتلوح البصرة البائسة.. وقد غلبت خضرة ملابس جنود النظام على خضرتها المعهودة.. بعد أن انتحرت الأشجار يأساً.. ومات النخيل هماً.. نساؤها لا تعرف من الملبس إلا السواد.. ويفر البؤس هلعاً من نظرات عيون أطفالها.. أما الرجال.. فهم غائبون منذ زمن بعيد.. غابوا طويلاً في سعير الحرب هناك عند الحدود.. ولم يعودوا.. لم يبق من الأحياء سوى كلاب جائعة تلهث في الشوارع والأزقة.. وأرض شاسعة حبلى بالشوك وبالغبار، الناس في مدينة البصرة شبه أموات.. وهم بالرغم من موتهم.. لا يشكون ولا يبكون.. ولا يجدون الخبز إلا في الأحلام.. يسكنون بيوتاً هشة لا تقيهم سعال الشتاء.. ولا قيظ الصيف.. والحزن الذليل يسكن القلوب.. ويسري في الأشجار.. والغيوم.. ويموت نخيل البصرة عطشاً.. والشط عاجز عن ريه.. ويجهض النخيل حمله من هول الظلم.. وينحني خوفاً وإجلالاً لجدارية الزعيم.
تتعثر خطوات الطريق أمامنا.. ونحن ندخل عاصمة الرشيد.. ويأتينا صوت المقامات حزيناً ذليلاً.. وتبزغ بغداد عارية من كل كرامة.. وأثار السحل مرسومة فوق شوارعها.. ويسجد الناس للزعيم.. ففي بغداد أصبح للناس رب اسمه صدام.. وأصبحت معه أيامهم كلها كربلاء.. ومضى سيف القادسية يقطع أعناق النساء.. ويبتر الأعضاء.. ففي بغداد تشرق الشمس بمرسوم من صدام وتهدر الريح.. ويسقط المطر.. ويتزوج العباد.. بمرسوم من صدام.. ويتهادى صوت شهرزاد حزيناً.. وتنعي بلاد الرافدين.. وتعلن ميلاد أرض الشقاق.. ويرقد الفرات ذبيحا.. وتنعاه دجلة بالآيات البينات.
في بغداد.. تحولت الحياة إلى رماد.. وانكمش التاريخ إلى الأعماق.. وانحنى كل شيء.. إلا صور الزعيم.. والناس قانعون! في بغداد.. تتقيأ الشوارع استخبارات.. وغرف تحقيق.. وعسكراً وجنوداً.. والناس محاصرون.. وقانعون!! وتمتد طوابير الخبز إلى ما لا نهاية في بغداد.. ويرحل الأبناء إلى المجهول.. ويموت الرضيع من ندرة الحليب ويبقى الناس أيضاً قانعين.. وتتيه شوارع المدينة فرحاً بلصوص بغداد.. وهم بالغنائم عائدون.. وتزدحم الشوارع بمسروقات وطني.. وتغرق الدكاكين بمنهوبات وطني.. حتى جرائد الصباح في بغداد تقتات بحبر وطني.. ويصبح قائدهم مزهواً.. ومهنئاً بالفتح والنصر العظيم!!
ونترك بغداد وراءنا تجتر أنينها فزعاً وهلعاً.. وندخل عالم الآدميين.. فيذهلنا أن العالم ما زال مليئاً بالمسالمين!! ونعجب للشمس تبزغ دون بلاغ هام من الزعيم.. ونرى الشوارع في وضح النهار طليقة من حرس الجمهوريين.. ويعود الأطفال يلعبون من جديد.. والرجال يتحدثون بلا همس وبصوت مسموع.
ومن أقاصي الأرض.. تأتينا خلسة أخبار الوطن السليب.. وبأن المرابطين الأخيار قد قتلوا الجراد.. ونسترق السمع لحكايات الأبطال في وطننا الصغير.. وكيف أنهم بدأوا الخطوة الأولى في طريق التحرير.. وكيف أنهم قُتلوا وأيديهم ممسكة بتراب الأرض.. وأنهم.. وأنهم..
وتهب ذات يوم.. مع زرقة الفجر.. عاصفة الصحراء.. ويدنو الوطن الجريح.. وتتجول دمعة كئيبة في الأجفان.. والوطن يزداد اقتراباً.
ثم تخرج يا وطني من جوف الحريق.. فألثم جبينك.. وأكرر أسفي وبأنني تركتك ذات يوم.. تصارع الشيطان وحدك.
