العراقملفات ساخنة

ثمن الحرية.. من يدفعه؟

ثمن الحرية.. من يدفعه؟

القرار الأمريكي الخاص بوقف المساعدات عن المعارضة العراقية.. وذلك لعجزها عن تحقيق أي نجاح يذكر.. هو بالتأكيد قرار لصالح العراق إن لم يكن في المرحلة الحالية.. فهو بدون شك سيكون له أثره الإيجابي مستقبلاً. قد نكون جميعاً قد عتبنا وانتقدنا الدور المنقوص الذي أدته قوات التحالف إبان حرب تحرير الوطن وما تلاها من أحداث.. حيث يرى الكثير منا أن قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة هي القوة الوحيدة القادرة على إزالة النظام في العراق.. وإقامة حكومة انتقالية إلى حين استتباب الأمور.. أي بمعنى آخر أن العراق في حاجة الآن إلى قوات احتلال مؤقتة تنشر جيوشها وتقيم حكومة ديمقراطية بدلاً من الحكومة القائمة.
قد لا نبالغ هنا.. إذا ما قلنا إن ما يمر به العراق الآن يعتبر المناخ الأمثل لإحداث التغيير السياسي والاجتماعي الجذري والذي عجزت عن تحقيقه كل ثورات العراق من قبل.. فما يمر به العراق الآن هو مرحلة المخاض التي تسبق الولادة.. رمز الحياة.. وحيث أن الطبيعة قد أنكرت حدوث الولادة دون الألم.. فإن التغيير الحقيقي نحو الأفضل ليس ممكناً دون إحداث الألم أولاً.. والألم الواقع الآن على الشعب العراقي.. هو أفضل محرك لثورة حقيقية.. حيث إن دافع التغيير الآن نابع من عمق الجماهير العراقية.. لا من نخبتها ولا من منظريها كما عهدنا في ثورات العرب من قبل. والأمثلة على ذلك في التاريخ هي أكثر من أن تحصى. فالثورة الروسية 1917 وهي أول ثورة منتصرة في تاريخ العالم.. جاءت من وسط الجماهير الغاضبة.. من الطبقة العاملة والتي استطاعت على الرغم من استبداد الحكومة وإرهابها القمعي.. استطاعت أن تطيح بتحالف كبار الملاك في روسيا.. ولم تنجح الثورة الروسية إلا بعد أن نشبت الاشتباكات الدامية في شوارع موسكو.. وتفجرت المعارك الحقيقية بين قوات الثورة.. وقوات الثورة المضادة.. خاض فيها الثوار معارك طاحنة لانتزاع المواقع والسيطرة عليها.. لم ينتظر العمال المقبورون تحت سياط الملاك أن يأتي من ينقذهم من واقعهم المرير.. بل جاءت ثورتهم كردة فعل طبيعية حيال الظلم.. والأوضاع المتردية.
أما “ماوتسي تونغ” الزعيم الصيني.. فقد رأى أن الأسلوب الأمثل لنجاح الثورة هو في الاعتماد أساساً على جماهير الفلاحين.. لم يأت نجاح الثورة في الصين من خارج نطاق الجماهير الصينية.. وإنما جاء من عمقها.. وذلك لم يكن سهلاً بالتأكيد، ولعل في مسيرة “ماوتسي تونغ” الكبرى.. أو الزحف الطويل خير دليل على ذلك.. فقد بدأ “ماوتسي تونغ” مسيرته في أكتوبر 1934 وبصحبته 90 ألف رجل وامرأة وطفل.. يحملون سلاحهم وذخيرتهم.. ويشقون قمم الجبال في خضم العواصف والثلوج والرياح العاتية.. وأنهى “ماوتسي تونغ” المسيرة في أكتوبر 1935.. ولم يتبق منهم سوى ما يقارب الثمانية آلاف ممن بدأوا المسيرة. واستمر النضال الجماهيري إلى أن دخل “ماوتسي تونغ” في أكتوبر 1949 بكين منتصراً. وذلك دليل على أن النجاح في مثل هذه الثورات يعود بالدرجة الأولى إلى اعتمادها المطلق على الجماهير.. والتعبئة النفسية..
واقع الثورات في العالم العربي هو واقع مخالف تماماً.. فالثورات العربية على كثرتها لم تنجح في تحقيق تغيير جذري استطاع أن يحقق ويضمن استمرارية وقبولاً لدى الجماهير.. في أي مجتمع من المجتمعات العربية. فعلى الرغم من أن الثورة.. أياً كانت هي دوماً محاولة تسعى إلى تحقيق أكبر قدر من العدالة الاجتماعية.. إلا أن ما كان يحدث فعلياً في ثورات العرب.. هو أن حكماً استبدادياً.. كان يحل محل حكم استبدادي سابق.. لا أكثر ولا أقل.
فالثورة وكما جاء تعريفها في القواميس السياسية.. والتي من أبرزها تعريف “سيغموند نيومان” الذي يعرف الثورة بأنها “تغير أساسي كاسح في التنظيم السياسي والبنيان الاجتماعي.. والتحكم في الملكية الاقتصادية. والأسطورة السائدة عن نظام اجتماعي، مما يشير إلى حدوث انكسار رئيس في استمرار التطور”.
لذلك فإنه وانطلاقاً من هذا التعريف.. نستطيع أن نقول إن ما يحدث في عالمنا العربي.. هي حالات انقلاب أقرب منها إلى الثورة فبينما تحدث الثورة تغييراً جذرياً في المجتمع.. فإن الانقلاب لا يعدو أن يكون في أغلب الأحيان أكثر من تغيير في الطبقة الحاكمة دون أي مساس بجوهر النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وهو السبب في أن أداة الانقلاب هي دائماً الجيش الذي يملك القوة لإنهاء النظام القائم والاستيلاء على الحكم.
لذلك كله فإننا حينما تحدثنا في بداية هذا المقال عن الأثر الإيجابي الكامن وراء تخلي الإدارة الأمريكية عن مساندة المعارضة العراقية. فإن القصد من وراء ذلك ليس رغبة في إطالة معاناة الشعب العراقي.. وإنما تأكيداً على أن الثورة حتى تأتي بنتائج يطال أثرها الجميع.. فإنها يجب أن تنبع من عمق ذلك (الجميع).. لا أن يديرها ويوجهها بعض من الشعب مرفها وبعيداً عن العنف والقتل والتعذيب.. فالثورة العراقية التي يرقبها الجميع لا تؤججها كلمات وأطروحات مثالية في كيفية خلق مجتمع ديمقراطي أو إنشاء دستور.. وإرساء حرية.. فتلك نظريات قد تعني شيئاً لمن هم خارج العراق لا يطالهم القتل والبتر والتنكيل. إلا أنها تبقى كلمات خاوية بالنسبة للجياع والمعذبين من الشعب العراقي.. فثورات الدنيا كلها كانت دوماً ملكاً للطبقات المستغلة والمسخرة سواء سياسياً أو اجتماعياً.
إن الثورة بصورة عامة.. سواء تمت في إطار عنيف أم في إطار سلمي وغير دموي.. إنما تهدف بالدرجة الأولى إلى تحرير الإنسان من الظلم والقهر والعبودية.. من خلال العمل الحقيقي.. لا الدعائي المليء بالشعارات.. فشعار (الحرية) كان من أهم الشعارات التي أطلقتها الثورة الأمريكية ضد الاستعمار البريطاني.. وكان أكثر المنادين به هم ملاك العبيد.. الذين لم يحاولوا تحقيق ذلك الشعار بإطلاق (حرية) العبيد أولاً..
لعلّ أهم مراحل الثورة هي مرحلة التعبئة وتهيئة الجماهير.. وهي المرحلة التي أخطأتها وتجاوزتها كل الثورات العربية.. وهي المرحلة التي يمر بها الشعب العراقي الآن.. حيث تتم تعبئته يومياً من خلال أساليب القهر والظلم.. والمفجر الحقيقي لكل الثورات عبر التاريخ البشري، لذلك فخيراً فعلت الإدارة الأمريكية بتخليها عن مساندة المعارضة العراقية.. فعلى الرغم من الثمن الباهظ الذي يدفعه الشعب العراقي الآن للتحرر.. إلا أن ذلك سيثبت مستقبلاً أنه كان الأسلوب الأمثل.. فالجماهير دوماً تدفع ثمن التحرير بنفسها.. لأن ما من أحد سيدفعه عنها.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى