الأرشيف

ثلاثية وزارة الصحة (3)

[جريدة القبس 31/10/1999]

معارك الصحة الإدارية
ذكرنا في ديباجة الثلاثية أن المأخذ الأول على دعوة وكيل الوزارة المساعد لشؤون الخدمات الطبية المساندة الدكتور يوسف النصف، التي وجهها إلى 200 مدعو من فعاليات وقيادات القطاعات المختلفة في الدولة بهدف رسم استراتيجية وزارة الصحة! نقول: ذكرنا في الديباجة أن المأخذ الأول على وزارة الصحة هو سيطرة عقلية الدولة الإدارية، وهيمنة الصراعات السياسية على أجهزة الصحة وإداراتها بصورة سيست العلاج والطب فيها، فتراجعت أولويات العمل في جهاز الصحة، وسيطرت الخلافات الإدارية، والنزاعات الداخلية على سائر مهام وأنشطة جهازها العامل من أطباء وفنيين وغيرهم! وما تبع ذلك بالطبع من انعكاس مباشر على العمل والأداء في الوزارة بمستشفياتها ومرافقها بشكل عام!
ولم يخلُ ذلك التسييس للوزارة من قضايا فساد وتجاوزات إدارية كالتي نشهدها في وزارات الدولة الأخرى!
وسنلخص ما نقصده بذلك من خلال حالات ووقائع من داخل الوزارة وقلبها.
فمنذ فترة وجيزة توجه أحد المواطنين إلى قسم حوادث في أحد المستشفيات للعلاج من طارئ، حيث وصف له طبيب الحوادث الدواء اللازم، وحين توجه إلى صيدلية الحوادث تبين له أنها مغلقة، وأخبره أحدهم أن عليه التوجه إلى قسم آخر لصرف الدواء! وحين استفسر ذلك المواطن عن سبب إغلاق صيدلية الحوادث فوجئ بأن صيدلية أحد الأقسام في المستشفى هي الأخرى مغلقة، والسبب يعود لعدم وجود صيادلة! أما الحكاية وراء إغلاق هاتين الصيدليتين فإنها تأتي كشاهد على التكلفة التي تتحملها وزارة الصحة جراء الفوضى والفساد الإداري الذي أصبح ينخر في جسدها مؤخراً! حيث كانت الوزارة قد تعاقدت مع مجموعة من الصيادلة، وتضمنت شروط العقد علاوة سكن أو بدل سكن! إلا أن هؤلاء الصيادلة وبسبب الفوضى الإدارية لم يتسلموا شيئاً من حقوقهم لا في السكن ولا في بدله، وفقاً لما جاء في شروط العقد! فكان أن رفعوا مشكلتهم إلى القضاء الذي كان حكماً عادلاً فأنصفهم وحكم بصرف مبالغ التعويض التي تراوحت ما بين سبعة آلاف دينار وستة عشر ألف دينار للصيدلي الواحد! وبالطبع فقد كان رد وزارة الصحة التعسفي بأن هددت بفصل هؤلاء الصيادلة البالغ عددهم ستين صيدلانياً، ما لم يتنازلوا عن القضية! وعلى الرغم من أنهم قد انقسموا فيما بعد بين هائب من بطش الوزارة ومتنازل عن القضية وبين مصر على التمسك بحقوقه، إلا أن الوزارة قضت بتفنيش الجميع! منتهكة بذلك أخلاقيات التعاقد وأدبياته، بالإضافة إلى محاججة القانون، وإبطال حكم المحكمة! ولو كان لوزارة الصحة نهج إداري سليم وناضج، لأولت اهتماماً للمتسببين في ما حدث من إخلال بشروط العقد، وعالجت جوهر المشكلة، وليس قشورها الخارجية! فحاسبت المتسبب بالمشكلة بدلاً من أن تعاقب ضحاياها!
إن انتشال وزارة الصحة من مشاكل إدارية كهذه يتطلب المبادرة أولاً، والجرأة على التنفيذ ثانياً! ولا يشترط تجاوز مشكلات كهذه رسم استراتيجية أو إعلان تجمع كالذي دعا إليه الوكيل المساعد!
نحن ولا شك نتمنى لو أن الوزارة بطاقمها قد نأت بنفسها عن الخلافات الإدارية والنزاعات الداخلية، وحرب الشللية التي تعبث بوزارات الدولة بشكل عام وتجمد العمل والقرار فيها! لكن ذلك، وبكل أسف، ما لم تحرص عليه الوزارة، بل سعت أحياناً إلى ترسيخه، كما حدث مع قضية الوكلاء المساعدين الثلاثة الذين لم يتم التجديد لهم! حين رضخت الوزارة، وتحت ضغوط سياسية صادرة عن مجلس الأمة، وبفعل نفوذ سبعة أصوات قوية في المجلس، أن تستثني أحد الثلاثة، فتساهم في تحويله إلى هيئة البيئة، وهو مجال لا علاقة له بالوكيل الدكتور!
وللعلم فقط، فإن إرث الفوضى الإدارية في وزارة الصحة قد خلف اثني عشر وكيلاً مساعداً باختصاصات ومهام هي مكررة في أحيان كثيرة، وكما هو الحال في التكرار القائم بين وكيل الوزارة المساعد للطب المساند، وآخر للصحة العامة، ووكيل مساعد للمستودعات الطبية وآخر للصيدليات الخاصة، والمحزن أن هناك وكيلاً مساعداً ضمن هؤلاء الاثني عشر لشؤون التخطيط فقط! مما يجعل من دعوة وكيل الوزارة المساعد لشؤون الخدمات الطبية المساندة الدكتور يوسف النصف لرسم استراتيجية لوزارة الصحة، نقول يجعل منها تعدياً على اختصاصات الوكيل المساعد لشؤون التخطيط في وزارة الصحة!
لقد نخرت الفوضى الإدارية، والتناحر الوظيفي وحرب المناصب جسد الوزارة بصورة جعلتها ترتجل قراراتها ارتجالاً في أحيان كثيرة، وتخرج بخطط وبرامج تؤكد وبصورة قاطعة أن الوزارة تفتقر إلى الخبرة وبعد النظر في قراراتها المتعلقة بالجانب الفني فيها، حيث يدور الحديث مؤخراً عن أن “خطة” الوزارة و”استراتيجيتها” في مواجهة أزمة النقص في طاقم الممرضات قد تمخضت عن عزمها الاستعانة بشركات تمريضية كالتي تستعين بها شركات التنظيف، وذلك لمجابهة النقص! وبالطبع فإن شركات كهذه لن يتجاوز راتب الممرضة فيها 150 أو 200 دينار مع كل ما يعنيه ذلك من تواضع في إمكانيات ومؤهلات الممرضة! ذلك كان بعضاً من فوضى الإدارة في الصحة والذي سيطر بل تغلب على أدائها الفني والعلاجي بصورة أصبحنا جميعاً نخشى معها المزيد من التراجع في الطب والعلاج في وجه الحرب الإدارية، ومعارك المناصب الدائرة رحاها في قلب مؤسساتنا الصحية!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى