الأرشيف

ثلاثية وزارة الصحة (2)

[جريدة القبس 24/10/1999]

العلاج بالخارج
هي ثلاثية نهدف من ورائها لأن نبين للوكيل المساعد لشؤون الخدمات الطبية في وزارة الصحة الدكتور يوسف النصف، أن مشروع النهوض بالخدمات الصحية لا يتطلب جهود 200 قيادي واستشاري من الأطباء وغيرهم، ممن دعاهم وكيل الوزارة للمساهمة في رسم استراتيجية وزارة الصحة، خاصة أن علة الصحة وسقمها يكمنان أساساً في تداخل روتين الدولة، وطقوسها الإدارية المملة والبطيئة في الشأن الطبي والعلاجي، مما أدى، وكما نرى، إلى تجمد الأداء في وزارة الصحة بعد أن اخترقت جسدها أوبئة الأحزاب والتكتلات الإدارية التي تنتشر في مؤسسات الدولة بشكل عام وانطلاقاً من أهمية الصحة كوزارة، ورغبة منا في حمايتها وانتشالها من مستنقع الروتين الإداري والتناحر الوظيفي السائد في هذا الوطن، وإيماناً ويقيناً من الكثيرين بأن دعوة الدكتور النصف لرسم “الاستراتيجية” الصحية تصب مباشرة في مستنقع الدولة الإداري، دافعة بذلك إلى المزيد من التأجيل والتسويف في حسم قضايا الصحة الساخنة والحرجة والملحة، فإننا نتقدم هنا بسرد لبعض من تصورات المواطن لطبيعة الخلل والسقم في جهاز الصحة، وللنواحي وللأخطاء التي يجب أن تتصدر أولويات الإصلاح في الوزارة، علنا جميعاً ننجح في إخراج هذا الجهاز الهام من دائرة التخطيط ورسم الاستراتيجيات إلى ساحة التنفيذ ومباشرة العمل.
يأتي العلاج في الخارج كأحد أبرز أخطاء وزارة الصحة، وقد توارثت ذلك “الداء” إدارات كثيرة مرت على الوزارة، لم تخلُ أحياناً من محاولات جادة لتنظيم أو لتقنين هذا البند الذي يستهلك ميزانيات مذهلة وخرافية، لكنها وبكل أسف بقيت محاولات ضعيفة لم يصمد أغلبها أمام بعض المتنفذين سياسياً، أو ذوي السلطة والقرار، حتى لقد طغى الجانب السياسي على كل الأسباب الأخرى، إنسانية كانت أم فنية، بحيث كانت المبالغ المعتمدة لبند العلاج في الخارج ترتفع وتتضخم عند كل موسم انتخابي، وذلك باستثناء “الحظوة” التي كان يتمتع بها بعض وزراء الصحة، وبصورة أهلت أحدهم لأن يستثني 62 حالة لا تنطبق عليها شروط الحاجة إلى العلاج في الخارج، ومنحت الحق نفسه لوزير آخر استطاع أن يحصل على استثناء في 18 حالة، مع كل ما يعنيه ذلك من انتهاك من داخل جسم وزارة الصحة لشروط وقوانين يفترض أن تكون وضعتها الوزارة لتحمي نفسها من طموحات سياسية أو مالية قد تتداخل مع أدائها وخبرتها الفنية والمهنية.
ولكي يكون لحديثنا وقع أكبر حول ضرورة إعادة النظر في بند العلاج بالخارج، أو تنظيمه بطريقة توفر على وزارة الصحة مالياً وفنياً، ما علينا سوى التمعن في حجم الأموال المعتمدة والمصروفة لهذا البند والتي لخصها لنا الجدول المرفق.
بيان بالمعتمد والمنصرف خلال السنوات المالية السابقة
المصروفات المعتمد السنة المالية
26496.9764.000 26500000 91/92
24.983.783.000 24984000 92/93
13.161.567.207 15530000 93/94
15.212.425.000 15213000 94/95
11.199.303.000 11200000 95/96
16.952.894.000 16953000 96/97
23.241.000.000 12744000 97/98
25.168.994.865 25169000 98/99
وبحسبة بسيطة جداً، وبشيء يسير من المنطق، وبالكثير الكثير من العزم والجدية في إصلاح جهاز الصحة، فإن 156 مليون دينار هي مجموع تكلفة العلاج في الخارج عن ثمانية أعوام فقط بالإمكان استثمارها بصورة تحقق عائداً صحياً يطال أثره أكبر شريحة ممكنة من المرضى في هذا الوطن، خاصة بعد الحديث الذي أدلى به الدكتور محمد المشعان، عضو اللجنة السابق للعلاج في الخارج، حين أشار إلى استعانة المستشفى الصدري بأحد الأطباء العرب ليقوم بإجراء عمليات جراحية في القلب، وكيف أن هذا الطبيب الذي تدفع له الدولة راتباً شهرياً يستحقه ويبلغ عشرة آلاف دينار، إلا أنه يوفر على الدولة الآلاف لأن كل عملية قلب في الخارج تكلف الدولة ما بين ثمانية آلاف وعشرة آلاف، وهو أجر العملية فقط، وبعملية حسابية بسيطة فإن هذا الطبيب لو أجرى خمس عمليات في الشهر فسيوفر على الدولة أربعين ألف دينار شهرياً.
لقد أضاف بند العلاج في الخارج إلى هموم الصحة، هموماً إدارية هي في غنى عنها، وأدى الخطأ في فهم هذا البند، والخطيئة في استخدامه إلى تسييس الصحة والعلاج بصورة أصبحت تتطلب تدخل أهل الاختصاص للحد منه، خاصة بعد أن زاد الحديث حول ظروف “المؤهلين” سياسياً واجتماعياً للعلاج في الخارج ممن لا تستدعي حالاتهم على الإطلاق أن يبعثوا خارج الوطن للعلاج.
تلك كانت واحدة من قضايا وزارة الصحة التي يعاني منها، ويتحدث فيها الكثير من الأطباء المخلصين، فالعلاج بالخارج يستهلك من ميزانية الصحة مبالغ هائلة بالإمكان استثمارها بصورة أفضل، وبأسلوب لا يؤثر في حق الذين تتطلب حالاتهم الصحية فعلاً إرسالهم خارج الوطن، حيث باستطاعة الوزارة الاستعانة بأطباء بارزين، وكما حدث مع طبيب المستشفى الصدري، من الذين ستعم فائدتهم العلاجية على أكبر عدد من المرضى، ويستنير بخبراتهم أطباؤنا الذين سيتعاملون معهم، ولا نتصور أن قضية كهذه بحاجة إلى المزيد من التمحيص والتكرار، أو لدعوة 200 شخصية من الخبراء والعارفين الذين تضمنتهم ندوة وكيل وزارة الصحة المساعدة لوضع استراتيجية العمل في الوزارة، بل على العكس من ذلك تماماً، فهي قضية شأنها شأن كل قضايا وزارة الصحة، بحاجة لأن تبتعد عن عقلية الروتين البطيء السائدة في وزارات الدولة الأخرى، وأن تستنير بهدي وخبرة أهل الصحة وأناسها.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى