الأرشيف

ثلاثية وزارة الصحة.. خاتمة

[جريدة القبس 7/11/1999]

حمى اللاتنسيق
حين بدأت حديثي عن وزارة الصحة من خلال ثلاثية تحمل في طياتها وجهة نظر صريحة وحيادية لبعض مما تعاني منه وزارة الصحة، وحين استخدمت كمثال، الدعوة التي وجهها الوكيل المساعد الدكتور يوسف النصف إلى مئتي مدعو لرسم استراتيجية وزارة الصحة!
لم أكن أقصد من وراء حديثي أحداً بالتحديد، ولم يكن في ما أثرته ما هو موجه إلى شخص وزير الصحة الدكتور الجارالله ولا إلى وكيل الوزارة المساعد الدكتور يوسف النصف، وإنما استعرض الحديث إرث ما يزيد على أربعين عاماً من التخلف والتراجع والتدهور التي أصابت وزارة الصحة إدارياً وفنياً وعلاجياً، والذي يتفق الجميع عليه بمن فيهم الوزير والوكيل المساعد!
“العتب” الذي وصلني من البعض أنني وبحديثي هذا عن وزارة الصحة، وفي بداية حقبة الوزير الدكتور الجارالله، أكون قد ظلمته، خاصة وأنه قد بدأ بالفعل برنامجاً إصلاحياً علينا أن نصبر قليلاً لندرك نتائجه وأثره! وتلك بحد ذاتها مشكلة لا تقتصر على وزارة الصحة، حيث ينسب أي نقد لأي وزارة أو هيئة لشخص الوزير أو المسؤول، بصورة انعكست وبشكل مباشر على الأداء في الوزارة، مما أدى إلى تقطع مستمر في خطط الوزارة وبرامجها، وافتقادها للتنسيق المطلوب توافره في سبيل تطوير الوزارة والنهوض بها!
ومما ورد في “عتب” أولئك على ما ذكرته في حديثي عن وزارة الصحة، التساؤل الذي أبداه ذلك البعض تجاه مصادري فيما أوردت من معلومات، وعما إذا كانت من “خصوم” لهم من قلب الوزارة يهدفون من ورائها النيل من أولئك الذين يختلفون وإياهم، أو يتنافسون معهم في معارك الصحة الإدارية.
وقد كان الأولى بوزارة الصحة لو أنها حققت في صحة ما يثار حولها من نقد، بدلاً من البحث عن “الأعداء” الخفيين وراء كل مقال ينشر أو حديث يتناول الصحة ومشاكلها وأزماتها!
ذكرنا مسبقاً أن وزارة الصحة قد افتقدت دائماً للتنسيق المطلوب لسير العمل والأداء فيها لأسباب تعود بالدرجة الأولى لذلك الفهم الخاطئ من قبل وزرائها لطبيعة الدور المنوط بهم، ولأهمية التنسيق فيما بينهم لسير العمل بالصورة التي تضمن استمراريته ومن ثم نتاجه! فعلى سبيل المثال: بقي “مجلس أمناء معهد الكويت للاختصاصات الطبية” مجمداً في أدائه يتعزز دوره أو يهمش بحسب مزاج الوزير ونهجه! فعلى الرغم من أن هذا المجلس قد أنشئ قبل الغزو بهدف اعتماد الشهادات وتقييمها ولدراسة حاجة الوطن للتخصصات الطبية المختلفة وغير ذلك من مهام استشارية تخصصية، إلا أنه بقي محدوداً في أدائه بسبب افتقاد وزراء الصحة التنسيق فيما بينهم لما يتعلق بمشاريع مستمرة كهذه! وبحيث أصبح هذا المجلس خاضعاً تماماً لنهج كل وزير على انفراد يتعزز دوره أو يبقى محايداً أو يجمد تبعاً لدرجة اقتناع الوزير به، بالإضافة إلى أن مجلس إدارته يتكون من مجموعة من الأطباء يختارهم الوزير مع ما يحمله ذلك من تأثير مباشر على عمل هذا المجلس ودوره!
لقد أدى ذلك النهج المتقطع في إدارة الوزارة، وعدم الاستمرارية في الخطط والبرامج الطبية، وعدم التنسيق فيما بين القائمين على الوزارة بشكل عام، أدى كل ذلك إلى تشتيت الجهود والمواقع الطبية، فلو كان هنالك حقاً تواصل مدروس وتعاون فيما بين وزراء الصحة، على تتابعهم، لما حدث ما حدث من تشتت قبيح ومكلف للمستشفيات وللمراكز الطبية، كالذي نشهده الآن في منطقة الصباح الطبية والتي ازدحمت بمبانٍ فخمة وفاخرة إلا أنها عاجزة عن تلبية الاحتياجات الصحية، وذلك لافتقادها إما للأجهزة اللازمة أو للتخصصات الطبية المطلوبة، حيث يتزاحم هنالك ما يزيد عن الاثني عشر مركزاً أغلبها شبه معطل! لا تعاون بينها ولا تنسيق ولا تبادل خبرات أو معلومات، على الرغم من أهمية مثل هذا التعاون في المجال الطبي والعلاجي وفائدته التي تمس الطبيب كما المريض!
فعلى الرغم من أنه كان بإمكان وزارة الصحة التنسيق مع الجهات المتبرعة بالمباني والأجهزة لوضع الأمور في نصابها الصحيح، إلا أن شيئاً من ذلك لم يحدث، لأن خلل التنسيق على ما يبدو كان ولايزال متمكناً من جسد وقلب وزارة الصحة العليلة!
ولقد جاوز ذلك الخلل كل التوقعات حين لامس الهيئة التمريضية، حيث تسللت تلك الفوضى في التنسيق وأربكت خطة الابتعاث، والتي لا تأخذ في الاعتبار احتياجات الوطن الطبية! كما أصبحت الترقيات الطبية متسارعة غير آخذة في الاعتبار أهمية التدرج الزمني في الخبرة العلاجية، فأصبح لدينا مستشار في الأربعين من العمر، وأصبح الطبيب حديث التخرج يحمل ختماً وإن كان بإشراف مسؤوله، إلا أنه يؤهله للبت في قضايا علاجية، قد تؤدي إلى مخاطر صحية، علما أن الطبيب حديث التخرج في كل دول العالم لا يمارس دوره حقاً قبل انقضاء خمسة أعوام من التدريب الميداني البحت!
كثيرة هي هموم وزارة الصحة، ومتوفرة سبل العلاج والإصلاح لمن بيده أداته وفي قلبه الرغبة إليه، لكن الآفة الكبرى كانت ولاتزال أننا دائماً نتجاهل دروبه، فتتشتت الجهود، وتفترسنا حمى اللا تنسيق والفوضى.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى