قضايا الوطن

ثلاثية القاهرة (2 – 3)

ثلاثية القاهرة (2 – 3)

على الرغم من ظروف الإحباط السياسي والمعيشي الذي يسود شتى مظاهر الحياة فيها، فإن القاهرة لاتزال أم الثقافة العربية، ولاتزال الحاضنة لنوابغ الأدب والرواية، بل حتى المقال الصحافي، فعالم المكتبات في القاهرة هو عالم مذهل، مئات الإصدارات الجديدة، وكلها لشباب مصري جديد انضم لقافلة الثقافة، والإصدارات القديمة لاتزال تحظى بزبائن من القراء، فالقراءة كانت ولاتزال ظاهرة مصرية عريقة.
ترتكز القاهرة على كنز من الثقافة يمتد إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام، بدأ بأهراماتها الثلاثة، مروراً بمساجدها الأثرية وكنائسها العابقة بروح التراث وروحانية العقيدة والإيمان، وصولاً إلى بعض المباني التي تعكس حقبة ثرية ميزت القاهرة اجتماعياً وثقافياً! ففي مصر الجديدة، وبمناسبة الذكرى المئوية على إنشائها بإشراف البارون الذي لايزال قصره شاهداً على فن العمارة في تلك الحقبة، قامت البلدية في مصر الجديدة بحملة لتنظيف العمارات والمباني فيها، فبدت بحلتها البيضاء ونوافذها الخشبية كتحفة معمارية تضاهي في جمالها عواصم غربية طالما اشتهرت بفن العمارة!
جزء كبير من الثقافة المصرية يحمل طابعاً دينياً وروحانياً، تلمسه في يقين واتكالية الشعب المصري على الله، وبشكل خفف إلى حد كبير من وطأة قسوة الحياة، وصراع لقمة العيش، كما تراه واضحاً في مزارات وأضرحة الأولياء المكتظة بالبسطاء من الناس الذين يتلمسون السكينة والطمأنينة من الحسين ومن السيدة عائشة، والسيدة نفيسة والإمام الشافعي، وغيرهم! هنالك ترى الروحانية وتستشعرها عن قرب، روحانية مطلقة لم تمتزج بأبخرة السياسة وصراعاتها، ولم تحاصرها طموحات انتخابية أو رئاسية! هناك، وبين أضرحة الأولياء، يشع اليقين من عيون المرتادين والمريدين! وتتفوق نزعة العقيدة المطلقة، على آلام ومعاناة الحياة اليومية.
للصحافة المصرية كذلك دور رائد في إثراء الثقافة، فكمية الكتّاب من المستشارين وأساتذة الجامعة، والمحللين المعتمدين، الذين تزخر بهم الصحف المصرية، تجعل الصحيفة تضاهي الكتاب في ثرائها الثقافي. ولعل الملاحظة الأبرز في الصحافة المصرية هي في حجم الإعلانات وكميتها مقارنة بالمادة الصحافية أو الثقافية التي تحتل المساحة الأكبر في الصحيفة، وذلك على العكس تماماً من الصحافة الخليجية التي تحولت بعض صحفها إلى مجلات إعلانية تحوي بعض المواد الصحافية لا العكس.
القاهرة إذاً تتلألأ بكل هذه المظاهر الجذابة التي تثير غبطة الزائر العربي وسعادته.
لكن القاهرة، شأنها شأن عواصم الدنيا، لها جانب مظلم شاهدته في زيارتي الأخيرة وسأرويه لكم في ختام ثلاثية القاهرة في العدد القادم!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى