قضايا اجتماعيةقضايا الوطن

ثلاثية القاهرة (1 – 3)

ثلاثية القاهرة (1 – 3)

حين كتب لورنس داريل رباعيته الروائية الشهيرة بـ “رباعية الإسكندرية” كان ناقلاً لملامح الشرق بعيون غربية، وشكل صدورها علامة فارقة في تاريخ الكتابة الروائية.
في رباعية “داريل” هذه تشعر بأنك قد زرت الإسكندرية مرات عديدة لكنك لم تشاهد ما روى، لأننا ببساطة وكسياح عرب نكرر الأماكن حين نزورها، ولا نغوص أبداً في عمقها!
زياراتي للقاهرة محدودة جداً، لكن في زيارتي الأخيرة، وعلى الرغم من قصر أيامها الثلاثة، قررت أن أغوص عميقاً وألامس أطراف المجتمع المصري بكل أبعاده وأدون في ثنائية أو ثلاثية بعضاً مما شاهدت!
بدأتها بالحسين وأزقته الشهيرة التي يفوح منها عبق شخصيات وأحداث روايات نجيب محفوظ! هناك، تختلط بعض المشاهد المصرية المعتقة والصادقة بمشاهد السياح المترفة بالمقارنة، وتختلط الأجناس والألوان، وكلما اقتربت من مقاهي الحسين الفاخرة تجد أنك قد ابتعدت عن روح القاهرة الحقيقية وجوهرها الذي سرعان ما يعود شيئاً فشيئاً كلما توغلت في الأحياء الضيقة ملامساً البساطة والعفوية المصرية، حيث الأسواق الضيقة وألوان المعروضات، وعربات سندويتشات الجبنة الرومية، والحلاوة، والبيض بالسمن البلدي والبسطرمة! سوق هائل من البضائع والبشر، ولا خوف هنا من كساد أو عدم تصريف البضاعة، فالأسعار هنا ملائمة لأمواج من المتسوقين بل قد لا تكفي كل تلك البضائع المعروضة لتغطية حاجة كل هؤلاء!
وعلى الرغم من ظروف الحياة الصعبة للأغلبية في القاهرة، ورغم صعوبة إن لم يكن أحياناً استحالة فرض النظام والرقابة وتأمين النظافة، فإن باستطاعة الزائر أن يشعر بما حققته القاهرة – رغم كل الظروف – من تحسن واضح في درجة النظافة والنظام في المرور، وهو أمر قد يشدك منذ البداية ويهذب من ملامح الصورة القديمة للقاهرة كعاصمة للفوضى وغياب القانون والنظافة! فالشوارع، إلى حد كبير أصبحت نظيفة، والمرور تحكمه القوانين لا الفوضى كما في السابق، والنظافة وفقاً للإمكانات المتاحة تعتبر عالية جداً!
التفاوت الكبير في الدخول أصبح واضحاً جداً في القاهرة، وهو أمر لم يكن على هذه الدرجة من الوضوح أو العلانية منذ عشرين عاماً مثلاً، ترى ذلك في أنواع السيارات التي تتفاوت أسعارها بشكل شاسع، وفي مراكز التسوق، التي يحوي بعضها أشهر الماركات العالمية، وبعضها الآخر مكتظ بالبضائع المحلية المعتادة، أما في البقالات فـ “صناعة برّة” لم تعد مقتصرة على بقالات المناطق الغنية وإنما كذلك في شتى أنحاء القاهرة!
جذور القاهرة الممتدة عمقاً في التاريخ، تستحق وقفة طويلة لرصد بعض منها في مقالة لاحقة تتناول جذور الثقافة والحضارة التي لا تزال معلماً من معالم العاصمة المصرية!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى