ثقوب في عباءتنا الثقافية

ثقوب في عباءتنا الثقافية
يرى البعض في السياسة مسألة تقتصر على إدارة الدولة ومؤسساتها وشؤونها الداخلية والخارجية، بينما يرى البعض الآخر أنها تدخل في كل شأن من شؤوننا اليومية، وأنها تلتصق بشكل مباشر في كل أداء لنا!!
وأياً تكون الآراء، فإن هنالك جوانب من حياتنا ونشاطاتنا تربكها، ولا شك، تلك العلاقة المباشرة بالسياسة، وتنعكس عليها سلبياً إسقاطات أهل السياسة وفكرهم وصراعاتهم!! ولعلّ أكثر تلك الجوانب تضرراً، ما يتعلق بالفن والثقافة حيث يضطرب الأداء فيهما، وتتراجع الموهبة ويتلاشى الإبداع، حين تصبح دواوين الشعر، وصومعات الإبداع، ورسومات الفن وألوانه، ملجأ لطموحات أهل السياسة، ومركزاً لنشاطاتهم، ومحطة تنطلق منها صراعاتهم، واختلافاتهم السياسية والفكرية!! وحين يصبح الفن سياسة، فإن انعكاسات ذلك الواقع تصيب كل فنان، وتظهر بوضوح في أدائه!! ففي معرضه الذي أقامه مؤخراً في بيروت عاصمة النور والفن، يتحدث جهاد أيوب عن هموم الفن التشكيلي، طارحاً همومه وهموم الفن والثقافة وذاكرتهما المثقوبة!!
جهاد يرى أن حالة الخوف والقلق التي يعيشها الفنان في يومنا الحاضر، قد أفقدته ذاكرته، والتي هي، بلا شك، مرجعيته في التصوير والتعبير. فالصور مهزوزة، والذاكرة موجوعة وملأى بنماذج بلا هوية ولون!! وهو وضع مؤسف يشكو منه المثقف والفنان العربي بشكل عام!! فهو يرى أن الفن والأداء الثقافي العربي يعيشان أزمة فكرية أدبية فنية اجتماعية، سببها السذاجة السياسية!! وأن الحرف العربي أصبح يشكو من كتب محملة بفراغات لم تعد تعني الناس، وقصائد لا تشبهنا في شيء. لقد فتح جهاد أيوب في حواره ذلك، كما في لوحاته وعروضه، جرحاً غائراً طالما كان مبعثاً للقلق والأسف حول واقع الفن والثقافة في عالمنا العربي، بعد أن اجتاحت السياسة بصراعاتها وأيديولوجياتها المختلفة عالمنا الثقافي، وسيطرت على ضمير الفن وعقله، بصورة أعادتنا إلى جوقة السلطان، وشعراء الخليفة والبلاط!!
إن الذين عاصروا لبنان النور في ما قبل الحرب الغادرة، حين كانت الثقافة بلا قيود، والكلمة بلا حدود، والشعر طليقاً حراً!! لا شك هم مدركون الآن لتركة الحرب وإرثها القبيح على الثقافة والفن في لبنان!! والتي أصبح يئن تحتها الكثير من الفنانين والمثقفين هناك، بعد أن أصبحت الاعتبارات السياسية تشكل قيوداً رهيبة على انطلاقة الفنان وإبداع المثقف!! فأصبح لكل حزب مثقفوه وشعراؤه ومغنّوه.. وأصبحت المعارض الفنية، والحفلات الغنائية، والمهرجانات الثقافية كلها أسرى للأمزجة السياسية والمذهبية، بل حتى الفرص المتاحة لبعض الفنانين في لبنان والمثقفين لعرض إنجازاتهم وأدائهم، قد أصبحت خاضعة للنفوذ السياسي المسيطر في جهة ما، وتقبلها أصبح رهن قبولها سياسياً وفكرياً وعقائدياً في منطقة ما!! وبحيث أصبحت للفن وللثقافة جغرافية سياسية، تحصر كل فنان أو مبدع في موقع ومنطقة معينة!! لا شك أن الثقافة هي ذاكرة الشعوب الباقية وهي الهوية التي تمنح الاسم والصورة وتميز بين الشعوب والأمم!! وهي ذاكرة تحفر وتسجل كل المشاهد التي تعبر بها الدول والشعوب وبكل صدق وموضوعية!!
لذا، فإن هواجس وهموم الفنان جهاد أيوب هي – بلا شك – انعكاسات طبيعية لما تسجله ذاكرة الثقافة العربية في يومنا الحاضر من تراجع موصوم بخذلان وآسى لما أصبح عليه واقع الثقافة والفن والإبداع في عالمنا!! ونحن جميعاً نعيش هموم جهاد أيوب، ونحزن معه، ونحن نرقب المثقف الموظف، والصحيفة لسان النظام، والثقوب التي ملأت عباءتنا الثقافية!!
