
في كتاب أرسله على بن أبي طالب G إلى بعض عماله.. يقول “أما بعد، فإني كنت أشركتك في أمانتي، وجعلتك شعاري وبطانتي، ولم يكن رجل من أهلي أوثق منك في نفسي. فلما أمكنتك الشدة في خيانة الأمة أسرعت الكرة، وعاجلت الوثبة، واختطفت ما قدرت عليه من أموالهم المصونة لأراملهم وأيتامهم. فاتق الله، وأردد إلى هؤلاء القوم أموالهم. فإنك إن لم تفعل ثم أمكنني الله منك لأعذرن إلى الله فيك، ولأضربنك بسيفي الذي ما ضربت به أحداً إلا دخل النار. ووالله لو أن الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلت، ما كانت لهما عندي هوادة، حتى أخذ الحق منهما”. انتهى.
لا خلاف على الحق والعدالة عند علي بن أبي طالب حتى وإن طال العقاب أقرب الناس إليه. ولعله في حديثه هذا، يرسي دعائم نظام شامل، لا استثناء فيه ولا شفاعة.
لا نريد أن نبالغ في طموحاتنا، فنرمي بعيداً ونحلم بنظام ثابت، وعدالة، كنظام علي بن أبي طالب وعدالته. غير أننا نسعى بطموحاتنا لأن نحقق نظاماً غير مخترق وعدالة بلا ثقوب.
ونحن بلا شك قطعنا شوطاً لا يستهان به في مشوارنا الطويل لبناء مجتمع أساسه القانون، وقوامه النظام. بل لقد دفع الكثير من أبناء هذا الوطن المخلصين، دفعوا دماً ومالاً وجهداً في سبيل الحفاظ على تلك المكتسبات والإصرار على البناء المجتمعي السياسي الحديث وعدم التفريط بأي لبنة من بنائه الأساسي. فشهدنا جولات محمومة للحفاظ على الدستور، وللتمسك بالديمقراطية والانتخابات الحرة. وقوطعت في سبيل ذلك المبدأ مجالس ورجالات، ورفضت مشاريع وخطط وقوانين، لأنها خرجت عن المسار الصحيح!!
اليوم وفي وسط هذه الضجة التي خلفها جدل رسالة وزير العدل إلى مجلس القضاء، يهتز البناء من جديد، وتوشك الأقدام أن تطأ جهد الآباء والأجداد ودماءهم.
لقد أكد علي بن أبي طالب G في حديثه الذي أوردناه في البداية، أن هنالك ثوابت راسخة في البناء المجتمعي والسياسي، لا تخضع لنظريات النسبية ولا لقوانينها، وأن الأمانة والفضيلة والأخلاق أمور لا تتجزأ ولا تقسط.وهو ما يحاول الزاعقون بخطيئة وكلاء النيابة أن يحققوه بأن تجزأ الأمانة، ويصبح الفساد مسألة نسبية تتفاوت درجاتها، لكنها قدر البشر، ودلالة على عدم عصمتهم عن الخطأ. لا نعلم بعد كمواطنين، ماهية الخطأ الإداري الذي وقع فيه وكلاء النيابة، غير أننا قد أدركنا جميعاً، ومن خلال أسلوب البعض في إثارة الموضوع، أن هنالك محاولات جارية لتبرير جريمة الناقلات، والتأكيد على شمولية الفساد واستفحاله في هذا الوطن، بصورة لم تغفل أحداً، حتى وإن كان القضاء وأهله!! لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتراكض فيها المدافعون عن “حق الاختلاس” في جريمة الناقلات، للتقليل من شأن هذه القضية، ولتسليط الضوء على قضايا فساد أخرى، في محاولة لتبرير قضية الناقلات، فحملوا لواء الحرص والحفاظ على المال العام، وعلى حق المواطن في الكشف عن منابع الفساد في هذا الوطن، وامتلأت أحاديثهم بوطنية مصطنعة، وتحدثوا بانتماء مشوه أعرج.
لقد كان هنالك رفض شعبي ناضج لمسلسل الإثارة الذي لعبه البعض، لغرض تعريفهم للفساد والسرقة، وهو رفض إن دل على شيء فإنما يدل على حرص المواطن وإصراره على الحفاظ على مكتسباته، والتي يأتي على رأسها القضاء والعدالة، خاصة بعد أن حققنا ما حققناه في مجال القضاء، وأصبحنا الدولة الوحيدة في محيطنا الخليجي، التي تتمتع بقضاء ومحاكم مدنية.
إن الفساد، كما العدالة، مشروعان غير قابلين للتجزئة، فلا يوجد نصف حرامي، ولا توجد نصف عدالة. وأي خلل في تعريفهما يمس ولا شك بنية المجتمع الأساسية، وكيانه الأخلاقي، كما يمس أيضاً بديهيات ومسلمات تكوين المجتمع بوجه عام.
ولعل الكارثة الحقيقية التي خلفها شخص مثل “صدام حسين” أنه أصبح مقياساً لنسبية العنف والإرهاب والديكتاتورية فأسبغ شخصه على شخوص أخرى شرعية وهمية، وعدالة ووطنية مشروخة، وأصبح هنالك ديكتاتور بدماء، وآخر بلا دماء. وهو المنطق ذاته الذي يتأبطه البعض في دفاعهم وتبريرهم لجريمة الناقلات، أو حتى لغيرها، حتى امتلأ بناؤنا السياسي والاجتماعي بالشروخ وتطاولت الثقوب لتنال من رداء عدالتنا الأبيض الناصع!!
