ثقافة الفن الرخيص

ثقافة الفن الرخيص
لست من متابعي برنامج “ستار أكاديمي” وإن كنت قد تابعت المقالات والندوات التي شنت هجوماً جارحاً وقاسياً خرج في أغلب الأحيان عن أبسط أخلاقيات النقد البناء والطرح العاقل والهادف إلى بث الوعي خصوصاً في النفس الشبابية، فكل ما قيل حتى الآن بشأن برنامج “ستار أكاديمي” لم يتعدَّ اللغط في القول أو اللفظ والحدة في اللهجة والأسلوب، حتى أن بعض تلك الآراء تجاوزت حدود الأدب في تطرقها للبرنامج وبصورة جعلت البعض يرى في طرحها قلة أدب تفوق ما جاء في البرنامج!
ليس هدفنا من وراء هذا المقال الدفاع عن البرنامج أو الادعاء بأنه يقدم ثقافة أو ينشر وعياً أو يحمل مساهمة لرعاية وتطوير الوعي الشبابي العربي، بل قد نتفق مع تلك الأقلام الناقدة بأن البرنامج يخلو من أي هدف تربوي أو ثقافي أو فني أو حتى إعلامي! لكن ألا يتفق معي أولئك النقاد بأن ما قالوه في “ستار أكاديمي” يقال في كل ما يبثه الإعلام العربي أخيراً من ثقافة مهترئة وفن مبتذل وغناء رخيص وبشع؟ وألا يوافقني هؤلاء بأن انحرافاً قد طرأ على الذوق والتذوق العربي كان من نتائجه برامج هابطة ورموز إعلامية مشوهة تدخل بيوتنا كل يوم ودون حياء أو استئذان؟ فلماذا جاء غضب تلك الأقلام الناقدة على “ستار أكاديمي” وحده؟ ولماذا لم يبادر هؤلاء “الإصلاحيون” إلى بث “مواعظهم” من قبل، وقبل أن تتحول ساحة الإعلام العربي إلى ملتقى لكل أصناف الشذوذ الفني والثقافي الذي لا يمكن أن يوفر غير برامج مثل “بج بروذر” و”ستار أكاديمي” وغيرهما؟
الإعلام العربي، وبكل أسف، أصبح كالدجاجة التي أرادت أن تقلد الحمامة في مشيتها الرشيقة، وحين عجزت عن ذلك أرادت أن تعود إلى مشيتها المعهودة فنسيتها وأصبحت بلا هوية، فلا هي تمشي كما الدجاج ولا أصبحت برشاقة الحمام؟! فالإعلام العربي أراد أن يقتبس من انفتاح الإعلام الغربي، وحين عجز أصبح مشوهاً ومبهم الهوية!
الإعلام الغربي يوفر بانفتاحه كافة أطياف الذوق يقدم “ستار أكاديمي” و”بج بروذر” من ناحية ويوفر ثقافة وفناً راقياً وبرامج هادفة مشوقة من ناحية أخرى! يلبي نزعة الشباب للانطلاق والتحرر من جهة، ويغرس فيهم بذور التحضر والثقافة والشفافية من جهة أخرى!
إن سيادة برامج مثل “ستار أكاديمي” وغيرها وسيطرتها بهذه الصورة على الذوق الشبابي ما هما سوى نتيجة لمناخ ثقافي ساد فيه الفن الرخيص، وتراجع معه الحس والتذوق الفني! شباب الكويت الذين أدمنوا “ستار أكاديمي” هم ضحايا لمسلسل المسرحيات الهابطة التي سادت العمل المسرحي في العشرين عاماً الأخيرة! خصوصاً مسرح الطفل الذي تحول إلى ساحة تهريج تزخر بالتفاهات والعروض المسخ التي لا تنمي ذوقاً ولا حساً فنياً أو ثقافياً! هؤلاء الأطفال الذين نشأوا في هذا المناخ المشوه هم الآن الشباب الذين يستمتعون بمشاهدة “ستار أكاديمي” ويدمنون متابعته!
إن المطلوب اليوم سواء في الكويت أو في العالم العربي هو حملة توعية وإعادة بناء للهوية الثقافية لدى جيل الناشئة، وتلك مهمة لا يحققها تضييع الجهود في رفض ونبذ برامج مثل “ستار أكاديمي” أو غيره، ولا في إلغاء حاجة الشباب للترفيه وللترويح.
وإنما في توفير البديل الذي يمكن أن يجذب الشباب ويشدهم بصورة تنمي ذوقهم وترفه عنهم!
إن الضجة التي أثارها البعض على برنامج “ستار أكاديمي” لا تخدم هدفاً على الإطلاق، بل لعل العكس تماماً هو الصحيح، فالفتاوى بالتحريم التي أطلقها هؤلاء، والاتهامات بالكفر أثارت ذعراً بين الشباب والأطفال، ولم تصلح وعياً، إلا إذا كان هدف أولئك النقاد بث الخوف والذعر وترهيب الناشئة وليس ترغيبهم فيما هو في صالحهم وصالح مجتمعاتهم!
