غير مصنف

ثقافة الاختلاف

[جريدة القبس 30/3/1998]

تداعيات الحكومة الجديدة كثيرة، وإن كان أبرزها تلك الندوة التي ضمت 26 نائباً، اجتمعوا في ديوان النائب الخنة بهدف التركيز على ضرورة التمسك بالتعاون بين الحكومة ومجلس الأمة، في ظل الحقوق التي منحها الدستور للنائب، وبأن يكون هذا التعاون في ظل الدستور!
التعاون إذاً، وهو ما تدركه الأطراف جميعها، مسألة جوهرية في سبيل التوصل إلى أدنى قدر من الإنجاز في أي من المشاريع أو المواضيع المعروضة على المجلس! وافتقادنا لروح التعاون تلك، هو السبب الرئيسي في تأجيل كل المشاريع، وتسويف كل محاولات الإصلاح ومشاريع التنمية!
الحضور في ندوة الخنة أجمعوا على ضرورة التعاون، على الرغم من كل الإحباطات التي أثارتها التشكيلة الوزارية الجديدة! حيث رأى البعض أنها حكومة تصعيد، فاجأت الجميع.. غير أن الواجب يتطلب تفويت الفرصة على الراغبين بالتصعيد، والالتفات بدلاً من ذلك إلى العمل وتحقيق الإنجازات! كذلك فقد أخفى بعض المجتمعين إحساسهم بالشرخ الذي أحدثه الاستجواب وما تلاه، منوهين بضرورة الإبقاء على روح التعاون بين السلطتين وفيما بين القوى السياسية كلها لتحقيق مردود وأداء إيجابي للوطن وللمواطن!
لا نعلم بعد ما هو تعريف التعاون بالنسبة لهؤلاء، هل هو انصياع تام، وقبول ساذج، أم هو محاباة ومجاملة؟ خاصة وأن قراءة سريعة لأمزجة وميول التيارات السياسية المتصارعة تؤكد بلا شك أن حسم الاختلافات فيما بينها وبالصورة التي شهدناها هو حسم شكلي لن يدفع إلى تعاون حقيقي ومثمر! فالمطلوب هنا تعاون يحوي في إطاره تنازعاً يدفع إلى الحركة والتجديد، لكي لا تتوقف بنا عجلة الحياة، ونتجمد في تاريخنا وأيامنا فأزمتنا الحقيقية في هذا الوطن، التي هي بالتأكيد جزء من ثقافة القبيلة وإرثها، هي في أننا لا نعرف كيف نختلف! وما “ملحمة” الاستجواب سوى تعبير جيد وانعكاس لذلك الخلل في ثقافة الاختلاف والذي يعترينا جميعاً، وليس قصراً على الحياة والعمل السياسي!
ولعلنا بسبب فهم خاطئ لمقولة أن “يد الله مع الجماعة” نجدنا دوماً نصنف التنازع كشر مطلق، في مقابل الخير المحض الذي يعبّر عنه التعاون! وحتى لا يساء الفهم هنا، فإن شيئاً من التوضيح يكون ضرورة! فالتنازع هنا ليس عداوة وبغضاء، وإنما هو جانب طبيعي وهام من جوانب العلاقات البشرية في كل المجتمعات! فكما أن المجتمع لا يمكن أن ينمو في ظل تنازع دائم، كذلك هو لن ينمو في ظل تعاون دائم! فكلاهما هام وجوهري في سبيل نشأة مجتمع متوازن ومستقر!
إن الديمقراطية الحقيقية هي التي تقر وتعترف بالاثنين معاً! التعاون كما التنازع! والمجتمع السياسي الصحي هو الذي يخرج الاختلاف كما الاتفاق إلى السطح، وأن تكون الصراحة لا المجاملة هي سبيله في التعامل وهي أساس ما يميز عمل وتعامل التيارات السياسية فيما بينها ولعلنا في تجربة الاستجواب الأخيرة، وما أدت إليه من اختلاف حول طرح الثقة أدى إلى استقالة الحكومة، وما تبع ذلك من تداعيات ومن ردود فعل للقوى السياسية! قد أكدنا بأننا لا نملك رغبة حقيقية في التعاون، لأننا نجهل ثقافة الاختلاف والتنازع! فالحلول الترقيعية التي حسمت الأزمة السياسية الأخيرة يعلم الجميع مداها وعمرها! وهو أمر واضح من خلال ردود فعل أقطاب تلك القوى السياسية المختلفة من جهة، ومن خلال طبيعة التشكيلة الوزارية من جهة أخرى والتي لم يخف الكل تحفظه بشأنها، ويقينه بكونها تحوي مغزى صريحاً بعدم الرغبة في التعاون الحقيقي!
إن الديمقراطية الحقيقية هي التي توظف التعاون كما التنازع في سبيل بناء مجتمع صحيح وناضج لا تكون السيادة فيه لأي طرف منهما. والمجتمع السياسي الناضج هو الذي يدرك أهمية الاختلاف، ويعلم أفراده كيف يختلفون! وتتوازن فيه قوى المحافظة والتجديد، فلا تغتال إحداهما الأخرى!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى