
كون الإنسان اجتماعياً بطبعه.. يعني بالتأكيد أن البشر غريزياً – ومنذ نشأة الخليقة – يميلون إلى العيش ضمن نطاق الجماعة. وبالطبع، فإن تلك المجتمعات البشرية، بدائية كانت أو متقدمة تكنولوجياً وعلمياً، لم تتكون ولم تتأسس بصورة عشوائية، وإنما تكونت بفعل قوانين وقواعد، شكلت الملامح الرئيسية في قيام المجتمعات والدول.. ولعلّ أكثر تلك القواعد تأثيراً ونفوذاً هي القاعدة الاقتصادية أو المادية، والتي لها انعكاساتها المباشرة في تشكيل هيبة وصورة مجتمع ما أو دولة ما.. فنموذج وشكل الدولة أو المجتمع الاقتصادي والمادي.. هما الأساس الذي تُبنى عليه علاقات المجتمع الأخرى.. اجتماعية أو ثقافية.. أو غير تلك من علاقات.
والفرد بصفته الخلية الأولى في المجتمع يقع مباشرة تحت كل تلك القوانين، متأثراً بها أكثر من كونه مؤثراً فيها.. والفرد تحت أي ظرف كان.. ما هو إلا نتاج طبيعي للمجتمع الذي أفرزه.. وللظروف التي خضع لها ذلك المجتمع. لذا فإن المدخل نحو إصلاح أو تغيير الفرد، لا بد وأن يبدأ أولاً بإصلاح المجتمع وتغييره.
القوانين المعمول بها في هذا الوطن، والتي تخضع دائماً لنقد وجدل من قبل المواطنين، تقع ولا شك تحت ذات المنطق. ومحاولات التعديل والإصلاح لأي من تلك القوانين تتعثر دوماً، لاصطدامها بمعوقات هي من صميم الهيئة التي نشأ عليها المجتمع. ولعلّ خير ما نستشهد به، هو قانون الجنسية والتجنيس، وتصنيف مواد الجنسية في هذا الوطن.
لا يخفى على أحد كيفية وأسلوب نشأة المجتمع الكويتي كما وأن أصول وجذور أي من قاطني هذا الوطن.. ليست سراً خافياً.. خاصة وأن الاستقرار في هذه البقعة من الخليج.. لا يضرب طويلاً في عمق المنطقة التاريخي.. كذلك لن يستطيع أحد أن يتجاهل أثر الثروة والرفاه وانفتاح الوطن المفاجئ على غيره من دول سبقته طويلاً في مضمار العلم والعمل.. وبالتالي أثر ذلك كله في إعادة تشكيل ملامح السكان والمواطنين..
القاعدة الاقتصادية والمادية.. وكما ورد في بداية حديثنا هي أهم الأسس التي تقوم عليها وتترتب على أساسها العلاقات الأخرى في المجتمع.. ودون أن يكون هناك تنظيم وتخطيط للعلاقات المجتمعية.. تسود العلاقة الاقتصادية وتصبح هي الركيزة والأساس للنظام القائم عليه المجتمع.. وبحيث يتلاشى أو يخف تأثير سواها من العلاقات بدرجة كبيرة وذلك ما حدث في هذا الوطن.. والذي تكون منذ نشأته من نخبة أغنياء.. تولت الأعمال الإدارية.. مثل النوخذة.. أو تاجر اللؤلؤ.. وأخرى تولت الأعمال اليدوية البسيطة والتي كانت متوفرة قبل ثورة النفط.. واستمر ذلك التصنيف سائداً حتى فيما بعد عصر الثروة والرفاه.. وإن كان قدوم الثروة ممثلة بالنفط قد ساعد على تشكيل ملامح طبقة وسطى بدأت تظهر، قوامها الجماعات الباحثة عن فرص عمل من دول الجوار على وجه الخصوص.. أو من استطاع أن يتخطى حواجز المجتمع من خلال تميز علمي.
التجنيس والجنسية في هذا الوطن ليسا قضية قوانين ولا نصوص.. والوصول إلى فتوى وحل بشأن هذه القضية ليس بهذه الدرجة من الصعوبة والتي يحاول البعض إثارتها.. فحقيقة من تواجد على هذه الأرض قبل عام 1920 أو قبل عام 1948.. مسألة يستطيع أفراد لا زالوا يعيشون بيننا أن يفتوا بها.
أساس المشكلة إذاً ليس في صعوبة سن القوانين الملائمة.. وإنما هو في المجتمع ذاته، والذي لا تزال ملامح نشأته الأولى هي السائدة، فعلى الرغم من صغر حجمنا البشري، إلا أن الحدود الفاصلة بين فئات المجتمع الواحد ما زالت قائمة.. ولا زالت أمور كثيرة كالنسب والتزاوج بل وحتى العلاقات اليومية خاضعة لتلك الحدود.. ولعلّ إصرارنا المستمر على وحدتنا الوطنية.. وحرصنا المستمر في التأكيد عليها، ما يؤكد حقيقة وعينا وإدراكنا لحقيقة تلك الحدود الفاصلة في داخل مجتمعنا وسواء ألغيت المادة الثانية.. أو السابعة.. أو غيرهما من مواد تصنيف الجنسية، فإن التصنيف سيبقى قائماً لكونه أساساً نتاجاً لمجتمع بُني على هذا.. قبل أن يكون مادة من مواد قانون الجنسية.
لذا، فإن أي محاولة لتوحيد الجنسية في هذ الوطن.. لا بد وأن يسبقها توحيد للمجتمع أولاً.. وإلا بقي التصنيف قائماً حتى لو ألغيت جميع قوانين ونصوص الجنسية.. طالما أن هناك قوانين وأعرافاً مجتمعية.. ما زالت نافذة.. تحكمها ظروف تعود في تاريخها إلى نشأة الوطن الأولى.
اكتساب الجنسية لبلد ما، يعني بالتأكيد هوية وانتماء إلى ذلك البلد.. ولقد وهبنا التاريخ فرصة نعيد على ضوئها صياغة مقاييس الانتماء لهذا الوطن.
تجربة الثاني من أغسطس كانت ولا شك نقطة تحول أساسية في عمل هذا الوطن.. فهي بالرغم من كل قسوتها.. إلا أنها شكلت نقلة نوعية في معايير هذا الوطن ومقاييسه في مسألة الانتماء والهوية.
