غير مصنف

تنافس الدرّاعات الرمضاني

22 فبراير 2026

كل عام وأنتم بخير ورمضان مبروك على الجميع، مع كلمة صريحة يستدعيها التحوّل، الذي طرأ على رمضان في الأعوام العشرة الماضية، وحوّله من شهر روحاني يتقرّب فيه المرء من ربه، إلى شهر استهلاكي، يتفاخر فيه الناس أمام بعضهم، وبشكل سَلَبَ رمضان جوهره ومغزاه، بل وحتى روحه.
الجشع الاستهلاكي لا يرحم فقيراً ولا غنيًا، يتصيّد الناس في كل المواسم وفي المناسبات كافة، سواء كانت حزينة أو سعيدة، أعياداً كانت أم أفراحاً خاصة، فالسوق مفتوح على مصراعيه لكل المناسبات، والشهر الذي يُفتَرَض أن يكون مغزاه في التجرّد من الكثير، والاكتفاء باليسير، وتهذيب الشهوات، والخلوة الى النفس والسكون الداخلي، تحوّل، بفعل السوق الاستهلاكي الجشع، الى مهرجان للأكل والملابس وأشياء البيت وغيرها، وبشكل صار مفرطاً وغير قابل للسيطرة.
أحد الأصدقاء، من المتخصصين في علم الاقتصاد، أجرى حسبة بسيطة حول تكلفة رمضان على أسرة كويتية، تتكوّن من أم وبنتين، يَفتَرِض هذا الصديق أن الأم وأبنتيها سيحتجن في رمضان الى ثلاث درّاعات (جلابيات) لكل واحدة منهن، الدرّاعة الأولى لاستقبال الشهر، والثانية لمناسبة القرقيعان، والثالثة لحضور الغبقة أو العشاء الرمضاني المتأخر، وإذا ما افترضنا أنه، ووفقاً لسوق الدرّاعات (الجلابيات) اليوم، فإن تكلفة الدرّاعة الواحدة لا تقل عن 200 دينار، ونحن هنا نتحدث عن أدنى متوسّط في معدّل اقتناء الدرّاعات (الجلابيات) الرمضانية، أي أن التكلفة على هذه العائلة الصغيرة قد تقارب الألفي دينار، وهذا طبعاً لا يشمل الاحتياجات الرمضانية الأخرى من ملابس وأوانٍ وحلويات وهدايا وغيره.
في تقرير صدر مؤخراً للبنك الدولي، يقول إن الكويت وحدها قد تكبّدت 270 مليون دولار بسبب النفايات الشخصية في عام واحد فقط، وهو رقم يشير الى معدّل الإفراط والإسراف في الاستهلاك الشخصي، ومؤشر على أننا نستهلك أكثر بكثير مما ننتج، وأضعاف ما نحتاج فعلياً، مثل هذا الرقم، الذي ذكره البنك الدولي، لا شك يتضاعف في رمضان، حيث تتجاوز معدلات الاستهلاك، الحاجة الفعلية للفرد، وتزدحم الأسواق بالمستهلكين، الذين تفيض مشترياتهم عن حاجتهم بأرقام مضاعفة.
قد لا نكون وحدنا في الكويت، أو في الخليج، أو في العالم العربي إجمالًا، من يُفرط في الاحتفال بالمناسبات، فالعالم كله يشاركنا السلوك نفسه، ويكون التبذير في أوجه مع مناسبات، مثل أعياد الميلاد أو عيد الفصح أو غيرها، لكن في العالم العربي عموماً تكون سمة الإسراف واضحة، لأن الكرم هنا ليس عادة وحسب، بل قيمة اجتماعية، هذا بخلاف أن ارتفاع منسوب الاستهلاك، سواء في رمضان أو غيره من مناسبات، وذلك في دول الخليج خاصة، قد يعود الى ارتفاع متوسط الدخل بسبب الوفرة المالية، وذلك مقارنة بدول أخرى.
ومع ذلك، لا يبرّر ارتفاع الدخل هنا ما أصبحنا نشهده مؤخراً من استهلاك غير مسبوق، وتنافس اجتماعي أصبح يُشكّل مصدر قلق وتوتر لدى شرائح كثيرة في المجتمع، وجدت نفسها مضطرة لمجاراة عجلة الاستهلاك، وإن كان ذلك على حساب مدخولها الشهري ومدخراتها. أما الفتيات والشابات فهن الحلقة الأضعف هنا في تنافس الدرّاعات الرمضاني هذا، حيث أصبح فضاء الإعلان الرمضاني مشبّعاً ومفتوحاً على «لوك استقبال رمضان»، و«لوك القرقيعان»، و«لوك الغبقة»، وهكذا، طوفان من التطبيقات والخوارزميات، التي حوّلت مفهوم الدرّاعة الى محتوى افتراضي أمامهن، وبشكل يبدو مغرياً، الى درجة قد لا تحتمل المقاومة عند البعض.
غالباً ما يشير الإفراط في المظهر الى قصور وتراجع في القدرة على التعبير وإثبات الهوية بطرق أخرى، فقد يكون من السهل التعبير وإثبات الحضور من خلال اللبس أو المظهر، سواء كان درّاعة أم غيرها، لكن التعبير عن الجوهر يحتاج الى جهد أكبر، وليس الى وفرة مالية فقط، وهنا تبرز المشكلة حين يصبح تنافس الدرّاعات (الجلابيات) الرمضاني أهم، وبديلاً عن الفكرة الأعمق وراء الصيام، فهذه لا تظهر على هيئة «ترند» في ملصقات الانستغرام وسناب شات.
رمضان كريم على الجميع.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى