
“مقلق ما نشرته حول ملف التعليم الذي حدد الخلل بالمناهج لعدم ارتباط التعليم بالواقع المعاصر”.
التقرير الذي تصدَّر عنوان القبس الرئيسي حول التعليم مخيف، والإحصائية التي نشرتها القبس حول كون التربية الإسلامية تشكل ثلث المنهج التعليمي هي كارثة بحد ذاتها.
التفاصيل التي ذكرها تقرير القبس من حيث المبالغة في كمية المادة الدينية، وعدم ارتباط التعليم بالواقع المعاصر، والخلل في الفلسفة التربوية، وغياب عنصر التعامل مع الناس، وتوظيف المعلومة الدينية لخدمة المجتمع على الرغم من كثافة المادة الدينية، كلها قضايا نلمسها اليوم في مخرجات التعليم المتدني، الذي انعكس على السلوك والأخلاق العامة لهذا الجيل!
جدليتا التعليم education والتلقين Indoctrination هما جدليتان تعاني منهما كل الأنظمة التعليمية في العالم الثالث، فبالنسبة للدول المتقدمة تم تجاوز الخلط بين الاثنتين بسبب مناخ الحرية والانفتاح والحداثة وتوطين الحقوق البشرية في اختيار التعليم من دون قيود سلطوية ولا عقائدية، ولكن في مجتمعاتنا العربية بشكل خاص، والإسلامية بشكل عام، ما زالت مسألة التعليم تراوح في محطتها الأولى، التي استقينا جزءاً كبيراً منها من شعائرنا وعقائدنا الممارسة.
لذلك لا تزال دور تحفيظ القرآن منتشرة، وبشكل لا يرسخ المغزى والحكمة من وراء القرآن، بقدر ما يعزز مسألة الحفظ كهدف بحد ذاته، ما جعلنا نتجاوز القول إن خيرنا من تعلم القرآن وعلمه وليس من حفظ القرآن وحسب!
مثل هذا الوعي انعكس، ولا شك، على مؤسسات التعليم في بلادنا، حيث أصبح التلقين هو الوسيلة والهدف، على الرغم من أنه – أي التلقين – هو شكل من أشكال فرض السلطة، وفي هذه الحالة هي سلطة المعلم، وبشكل لا يسمح للمتلقي ولا يترك له مجالاً للفهم والإدراك والتساؤل. فدور المعلم هنا هو إلقاء الدرس، حيث إنه العالم والعارف والمحتكر للمعلومة، في حين أن الطالب هو المتلقي فقط من دون أدنى حق في أن يُعمل فكره فيما يتلقن!
وفقاً لـ القبس، فإن كتب التربية الإسلامية في الكويت تتكون من ثمانية عشر كتاباً، تبدأ بالصف الأول الابتدائي وتنتهي في الصف الثاني عشر، وتتكون هذه المجموعة من 413 درساً، والسؤال الفني هنا يدور حول أهداف هذه الدروس، ولا أعني بالأهداف هنا ما يتصدر هذه الكتب من تعديد لهذه الأهداف، وإنما الهدف المرجو منه على شخصية الطالب المتلقي، على اعتبار أن المناهج الدينية تحوي أهدافاً تربوية أكثر مما هي تثقيفية كسائر المواد العلمية الأخرى!
فإذا كانت إجابة المسؤولين عن تكديس هذا الكم من المادة الدينية أنه هدف يسعى إلى خلق الشخصية المسلمة السوية، فليسمح لي هؤلاء بأن أقول إن هذا الهدف لم يتحقق، والشواهد على ما أقول أكثر من سعة هذا المقال!
المشكلة الحقيقية في نقد المنهج الديني أن أي محاولة في هذا الصدد غالباً ما توصم بالكفر ومحاربة الشريعة وتأييد الليبرالية الملحدة! وهو ما حدث معي شخصياً حين اعترضت على تقنين ساعات الموسيقى والتربية البدنية، في مقابل تكثيف ساعات الدروس الدينية في المدارس الخاصة!
إن المعرفة بشكل عام تكون قاصرة إذا لم تنمِّ لدى الفرد القدرة والفضول لإنتاج المعارف الأخرى، وذلك هدف بحد ذاته لا يمكن تحقيقه من خلال أجهزة ومؤسسات تعليمية تُلقّن ولا تُعلّم، وتفعّل المخ الهبة الإلهية العظيمة.
