
تكاد لا تخلو صحيفة أو مجلة في الكويت من مساحة مخصصة لتفسير الأحلام! بعضها يبدو مثيراً للضحك وللأسف في آن واحد على سذاجة بعض ممتهني تفسير الأحلام.
إن الأحلام جزء من النشاط العقلي الذي لايزال العلم يجهل منه الكثير! وقد ساهم العديد من علماء النفس، وأساتذة المخ والأعصاب في وضع تفاسيرهم العلمية للأحلام أشهرها على الإطلاق تفسير عالم النفس “فرويد” الذي فسر الأحلام بأنها محاولات لتحقيق الرغبات المكبوتة في الإنسان! وقد واجه فرويد الكثير من الانتقادات على تفسيره هذا، منها أن الإنسان قد يحلم أحياناً بأمور مخيفة أو مرعبة، فكيف تكون مثل هذه الأحلام محاولة من اللاوعي لتحقيق الرغبات المكبوتة؟ هل يمكن أن يحقق الإنسان رغباته بمثل هذه الصورة المخيفة والمؤلمة؟
أما الدكتور ألكسندر، وهو أحد أتباع “فرويد”، فيرى أن الأحلام تنتج عن قوتين متصارعتين إحداهما تحاول تحقيق الرغبة، والأخرى تتجه عكس ذلك، حيث تريد قمع الرغبة.
ويقول أيضاً: “إن الحلم المؤلم هو محاولة لتخفيف التوتر الناتج من تكبيل الضمير، والضمير لا يرتاح إلا بالتألم”.
أما الدكتور سلامة موسى في كتاب “عقلي وعقلك”، فيقول إننا كبشر ننحدر في النوم إلى درجة التطور الحيواني، حتى أننا في الأحلام نجد التفكير يجري بصور متتابعة خالية من الكلمات إلا قليلاً جداً، لأن اللغة طور جديد راقٍ في البشر، والحلم هو ردة إلى العواطف التي لا تحتاج في تعبيرها إلى لغة ولما كان الحلم خالياً في الأغلب من الحديث والكلمات فإنه يسير بالرموز، ومن هنا تأتي الصعوبة في تفسيره.
ويقول الباحث الفرنسي “كويه” إن الإنسان إذا ما سيطرت عليه فكرة بحيث صارت متغلغلة في أغوار عقله الباطن فإن كل الجهود الواعية التي يبذلها الإنسان في مكافحة تلك الفكرة تؤدي إلى عكس النتيجة التي كان يبتغيها منها!
هؤلاء العلماء جميعاً قدموا تفاسير علمية جاءت بعد تجارب ودراسات مكثفة لكل ما يتعلق بنشاط المخ أثناء النوم واليقظة، ومع ذلك فهم لا يتحدثون بصورة قاطعة عن تفاسيرهم لأن المخ ونشاطه لا يزالان يحملان الكثير من المجهول بالنسبة للإنسان!
إحدى صفحات تفاسير الأحلام لإحدى الصحف اليومية تسترسل في غياهب العالم الآخر بصورة تبدو في أحيان كثيرة مبالغاً فيها، وعلى سبيل المثال تستفسر إحدى القارئات عن تفسير حلم رأت فيه غيمة سوداء ونملاً أسود ليرد عليها المفسر (المعتمد) هنا بقوله: إن السحاب الأسود حزن عام ومشكلة كبيرة وغم وهم عظيمان، وكان بعض الأقوام يأتيهم الغيم الأسود فيظنون أنه مطر خير فإذا هو العذاب، وربما دل حلمك على ذنوب عظيمة يرتكبها أحد أهل المنزل أو صاحب المنام فهي دعوة للتوبة قبل حلول العذاب ونزول الحشرات، وخرير المياه والدود والنمل الأسود ربما يرمز إلى وجود عمل أو سحر في المنزل وعلاجه الرقية الشرعية من الكتاب والسنة والأذكار والتعويذات النبوية وإزالة صور ذوات الأرواح وتلاوة القرآن والصلاة والصدقة وغير ذلك مما ينفعهم لفك السحر حتى تتيسر أموركم ويكتب لكم الزواج! (انتهى التفسير).
للأسف، إن المفسر لم يسترسل في تفسيره كفاية ليشرح لنا علاقة (الصور ذات الأرواح) بفك السحر الذي يزعم أنه التفسير المقبول لما رأته المستفسرة من حلم! ويبدو أن للمفسر وجهة نظر خاصة بالصور ذات الأرواح زجها زجاً وسط قراءة القرآن والصدقة والأذكار.
إن الأحلام جزء من النشاط العقلي والذي لم يعرف منه الإنسان إلا القليل جداً، والحديث عن الأحلام بهذه الصورة القاطعة تتعارض بلا شك مع تلك الحقيقة!
رحم الله عالم الاجتماع المبدع الدكتور علي الوردي الذي اكتفى في خاتمة كتابه عن سيكولوجية الأحلام بالقول: إننا نستخلص أن الإنسان هو في حياته الاجتماعية كالواقع تحت تأثير التنويم المغناطيسي، وإن منومه الأكبر هو المجتمع بما فيه من قيم وتقاليد وأنواع شتى من الإيحاء، وقد صدق رسول الله c حين قال: “الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا”.
