الأرشيف

تفاعلات الطبيعة أم غضب السماء؟

[جريدة القبس 19/2/2023]

أشلاء وألم ودمار وتهجير ومناخ قارص، تلك بعض من المشاهد التي خلّفها الزلزال المدمّر الذي عصف بتركيا وسوريا، مشاهد الأطفال تحت الركام، والأُسَر التي فُقِدَت تحت الأنقاض تُبكي حتى أقسى القلوب وأشدها صلافة.
للطبيعة غضبها ونزقها، اللذان قد تُثيرهما أسباب مختلفة، ومن ضمن ملامح هذا الغضب الزلازل والبراكين والفيضانات وغيرها، والزلازل بالتحديد ظواهر طبيعية تنتح عن حركة الصفائح الصخرية في القشرة الأرضية، مما يؤدي إلى تشقّق الأرض وانهيار المباني والمنشآت، وهنالك نظريات علمية عدة تُفَسّر كيفية نشأة الزلازل.
الزلزال الأخير الذي ضرب تركيا وسوريا خرج عن دائرة كل النظريات العلمية والجيولوجية، وابتدأ معه البعض في تداول غضب الله وسخط السماء كأبرز أسباب الكارثة المُفزِعة التي حلّت بتركيا وسوريا، واستدعى السؤال، عما إذا كان هذا الزلزال من تفاعلات الطبيعة أم أنه غضب من السماء، ما استدعى محطة الجزيرة إلى نشر تقرير صحافي في سبيل الإجابة عن هكذا تساؤل.
تقرير الجزيرة جاء شاملاً جامعاً، تناول كيف فسّر العرب الزلازل وأسبابها، وكذلك التطرّق إلى تراث عربي واسع حول الزلازل، إضافة إلى ما حفلت به صحائف التاريخ الإسلامي من قصص ووقائع الزلازل، التي من ضمنها كارثة الزلزال في سنة 597 للهجرة، الذي هلك فيه مئات الآلاف، وعصف بأجزاء كبيرة من العراق وتركيا الحالية وبلاد الشام. وقد أشار ابن كثير، في كتابه البداية والنهاية، إلى هذه الكارثة، حيث قال: “كانت زلزلة عظيمة ابتدأت من بلاد الشام إلى الجزيرة وبلاد الروم والعراق، وكان جمهورها وعظمها بالشام، تهدّمت فيها دور كثيرة، وتخرّبت محال كثيرة، وخسف بقرية من أرض بصرى، وأما سواحل الشام وغيرها فهلك فيها شيء كثير، وأخربت محال كثيرة من طرابلس وصور وعكا ونابلس” (انتهى).
كما أشار التقرير إلى دراسة الدكتور والباحث الكويتي عبدالله يوسف الغنيم، باعتبارها أقدم دراسة عربية حديثة تناولت موضوع الزلازل من زاويتي التاريخ والجغرافيا، مستعرضاً نماذج متعددة من التفسيرات العربية القديمة للزلازل والبراكين.
في حين أجمَعَ فريق من علماء المسلمين على أن الزلازل تحمل معنى ودلالة على تخويف الله لعباده، ومن ضمن هؤلاء ابن تيمية، الذي يقول بأن الزلازل من الآيات التي يخوّف الله بها عباده كما يخوّفهم بالكسوف وغيره، بل إن هنالك من علماء المسلمين من ذهب إلى الإفتاء بقتيل الزلزال وعما إذا كان شهيداً أم لا.
كثيرة هي التفاسير حول أسباب الزلازل، والتي اختلط فيها العلمي بالعقائدي، لكن أحد علماء الأزهر خلصَ إلى أن قضية عقاب الله للناس بالزلازل والبراكين والهلاك قد كانت عقوبة للأمم قبل بعثة النبي محمد c حيث كانت الأمة التي ترفض منهج الله تُعاقَب من فورها بالصيحة أو الرجفة، لكن ذلك انقطع بقدوم النبي محمد c الذي قال: “إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وأن أمتي سيبلغ مُلكُها ما زُوي لي منها، وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة، وألا يسلّط عليهم عدواً من سوى أنفسهم” (انتهى).
للأسف إن الأمة الإسلامية قد أصبحت تخلط بين السنن الكونية والظواهر الطبيعية، وبشكل قد يعبّر عنه البعض بشكل ساذج يفتقد في أحيان كثيرة الحصافة العلمية والحكمة العقائدية، وهو ما حدث في زلزال سوريا وتركيا الأخير، حيث بدأ البعض في تصدير وتداول أن ما حَدَث هو غضب من الله، على الرغم من أن المناطق التي ضربها الزلزال الأخير كلها مناطق إسلامية يرتفع فيها نداء الصلاة، وتلتزم الأغلبية بوصايا الإسلام وفروضه وتعاليمه، هذا إضافة إلى كونها مناطق محن وبلاء وحروب وفقر أساساً، والله سبحانه لا شك أرحم بهم من كل خلقه. الزلازل ظواهر طبيعية تحدث لأسباب جيولوجية، وهي آية من آيات الله تحدث على أرضه وبين أقوامه، سواء كانوا من المسلمين الطائعين أو من الكفار الضالين، بل إن القرآن أشار إلى الشق العلمي من الزلازل: F ﵟأَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَأۡتِـي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَاﵞ ﵝالرَّعۡد : ﵑﵔﵜ F.
وتلك إشارة إلى تحرّك ألواح الغلاف الصخري للأرض بفعل الزلازل.
تفاعلات الطبيعة أم غضب السماء؟ السؤال الجدلي الذي انشغل به المسلمون منذ أن ضرب الزلزال أرض المسلمين في تركيا وسوريا، رحم الله من غاب منهم، وأعان الناس في نكبتهم.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى