الأرشيف

تعليم.. بلا تربية

[جريدة القبس 27/1/1997]

تابعنا جميعاً، سواء عبر الصحافة أم عن طريق ما تناقله الرأي العام مؤخراً، قضية تسرب أحد امتحانات اللغة الإنكليزية في كلية العلوم الإدارية، حيث تم بيع الامتحان بأسعار متفاوتة.
الحادثة بلا شك مؤسفة ومزعجة في آن واحد، تكبد جميع الأطراف تبعاتها، سواء أكانوا طلبة اضطروا لإجراء الامتحان مرة أخرى أم كانوا أساتذة أشرفوا على وضع امتحان جديد وتقديمه في زمن قياسي، بما تتطلبه عملية كهذه من جهد ووقت مضنيين.
الحادثة وعلى الرغم من أنها قد اتخذت من كلية العلوم الإدارية مسرحاً لها، إلا أن هذه الكلية الفنية تقف اليوم ضحية لا فاعلاً في هذه القضية والتي لا تخصها وحدها، وإنما تتجاوز أسوار الجامعة لتطرح تساؤلاً كبيراً حول مسيرة التعليم بأخلاقياتها، معطياتها، وإفرازاتها، وهي مسيرة لا شك تتطلب من المجتمع بأفراده ومن الدولة بمؤسساتها، إعادة نظر جادة.. وكتابة حديثة لأهدافها وبرامجها التعليمية منها والتربوية.
لا يجادل أحد في أننا نمتلك أجهزة تعليمية متطورة، ومقار للتعليم: من مدارس ومعاهد وكليات، مريحة وفخمة، وجهازاً تعليمياً كبيراً من مدرسين وأكاديميين. غير أن كل ذلك يقف عاجزاً عن تحقيق مكاسب حقيقية من وراء أجهزة التعليم، ولا تزال مخرجات التعليم العام والعالي، دون طموح ومتطلبات القطاع الوظيفي والعملي، العام منه والخاص، وهو واقع لن يتغير كثيراً، طالما بقي التحديث والتطوير للمسيرة التعليمية قاصراً على إطارها الشكلي والخارجي من مبان، ومعامل، ومقار. دون الدخول في تحديث أهداف العملية التعليمية، ولا في تطوير الجهاز التعليمي، والقائمين عليه. فالتعليم، وللأسف الشديد، لا يزال أشبه بترخيص أو إذن العمل. فالشهادة الجامعية تعني وظيفة بالدرجة الرابعة، والشهادة الثانوية تقابلها الدرجة السابعة في السلم الوظيفي وهكذا.
نحن هنا، وبلا شك لا نريد أن نلتمس العذر لأولئك الذين خانوا أمانة العلم، فاشتروا بالمال ثمن نجاحهم، ولا أن نُبرئ طلبة العلوم الإدارية من الذين حصلوا بالمال على الامتحان المقرر للجميع، من تهمة الاحتيال والتلاعب، ولكن نريد، ونتمنى أن تفتح قضية تسريب مقرر اللغة الإنكليزية هذه، ملف التعليم: أخلاقياته، وأهدافه، وأن نعلق الجرس إيذاناً بصحوة تعليمية مقبلة.
بل ولعل المطلعين على الأمور التعليمية عن كثب، يدركون أن حادثة العلوم الإدارية ما هي إلا واحدة من مسلسل الفساد التعليمي الطويل والمؤسف، ويعلمون أيضاً أن الغش في الامتحان، وتسريب الأسئلة والاختبارات قد أصبح وللأسف الشديد أمراً مألوفاً، يتباهى الطلبة بالحديث عنه وعن أساليبهم في تحقيقه. ويبررون ذلك بأن اجتياز الامتحان، قد أصبح جزءاً من صراع الفرد في سبيل لقمة العيش، وأن الخلفية الثقافية، والمقدرة العملية، مهما بلغتا لن تحققا لهم ارتقاء في السلم الوظيفي، ما لم تسندهما شهادة حتى وإن كانت بلا جهد.
إن من مهام التعليم الأساسية، تدريب الفرد على الانضباط، والانتظام في خلية المجتمع الكبير، وهو أمر يحوي في إطاره تدريب الفرد على احترام أخلاقيات المجتمع والالتزام بقوانين العلاقات المجتمعية، وإدراكاً منَّا في هذا الوطن، لذلك الدور السامي والمهم للعملية التعليمية بشكل عام، فقد أعيدت تسمية وزارة التربية والتعليم، لتصبح وزارة التربية فقط، إيماناً من المجتمع ومؤسساته، بأولويات الوزارة.
حادثة العلوم الإدارية، تأتي اليوم لتؤكد على ضرورة الإصرار على الجانب التربوي في العملية التعليمية. فالذين تلاعبوا على قوانين الاختبار، قد تلاعبوا أيضاً على أخلاقيات وأعراف المجتمع وخرجوا عن قانون الجماعة بشكل عام. وهي حادثة وكما ذكرنا مسبقاً، وإن كانت قد انفجرت في حرم كلية العلوم الإدارية، فإن ذيولها وجذورها تضرب عميقاً في أخلاقيات التعليم بوجه عام، حيث الغش وتسريب الامتحان، من الحوداث المألوفة التي لم تعد استثناءات تثير الدهشة والقلق.
ومن هنا، فإن الحاجة أصبحت ماسة، لصحوة أخلاقية، تستند إلى برامج نافذة لمحاربة الغش والتلاعب في المجال التعليمي، وللتوعية بمخاطر مثل هذه السلوكيات على أداء المجتمع والذي سيكون دائماً الضحية الأولى في كل ما يقترفه الأفراد من أخطاء وسلبيات.
ويكفينا أن نذكر هنا درجة الأذى التي قد تصيب المجتمع، لو أن طبيباً باع ضميره واشترى امتحاناً، أو لو أن مهندساً استغل ذلك الخلل التربوي في العملية التعليمية، ومارس البناء، بشهادة بلا ضمير!! ونال تعليماً.. بلا تربية!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى