الأرشيف

تعليم الكافيهات!

[جريدة القبس 29/1/2013]

تكاد ظاهرة الدراسة في الكافيهات أن تكون قاعدة جديدة دخلت عالمنا العربي مع تضاعف عدد المقاهي بشكل لافت! فلا يكاد أحد منا يذهب إلى مقهى إلا ويجد فيه العشرات من الطلبة حاملين أجهزتهم الإلكترونية وكتبهم وبحوثهم وغير ذلك من مستلزمات الدراسة!
لطالما لعبت المقاهي دوراً سياسياً مهماً، بالإضافة إلى كونها تشكل مقار ثقافية وصالونات حوار، كثيراً ما جمعت أهل السياسة وأهل الفن والثقافة، أشهرها على الإطلاق كافيهات شارع الحمراء في بيروت التي كانت ملتقى أهل الفكر والسياسة في الستينيات والسبعينيات، حتى أن البعض أطلق، وبسخرية كبيرة، مقولة ثورات المقاهي على جلسات التنظير الفكري والسياسي في تلك المقاهي، أما في مصر فقد حظيت قهوة “الحرافيش” في حي الحسين على القدر الأكبر من الشهرة، حيث كان يلتقي الكاتب الكبير نجيب محفوظ بأصدقائه ومريديه لتشكل مشهداً ثقافياً ومعلماً أدبياً مهماً!
ولا نستثني هنا الكويت بالطبع من هذه الظاهرة التي طغت على مشهد الشارع الشبابي بشكل كبير! بحيث لم يعد يخلو مقهى من مجاميع طلابية هجرت المكتبات العامة واستعانت بالكافيهات!
لكن المشهد الكويتي تجاوز تلك الظاهرة وأصبحت الكافيهات مراكز للدروس الخصوصية بشكل لافت، ويكاد لا يخلو مقهى من مجاميع طلابية تلتف حول مدرس ومجاميع أخرى بانتظار دورها! وقد تطفلت في إحدى المرات وسألت عن حصة الطالب من هذا الدرس الجماعي، وعلمت أنها تتراوح بين الثلاثين والخمسين ديناراً! فإذا كانت كل مجموعة تحوي من سبعة إلى ثمانية طلبة، فنحن نتحدث عن مبالغ تتراوح بين 210 دنانير إلى 350 ديناراً لكل مجموعة في الساعة أو الساعتين والتي هي مدة الدرس الخصوصي عادة!
الدروس الخصوصية بشكل عام كانت ولا تزال محط جدل ومبعث قلق على واقع التعليم في أي بلد! وفي الكويت تحديداً لم تعد الدروس الخصوصية فقط للطلبة الضعفاء في التحصيل العلمي، وإنما غدت ضرورة وبزنس نقرأ إعلاناته يومياً في الصحف الإعلانية وفي ملصقات الإعلان داخل المؤسسات التعليمية بما في ذلك الجامعية والعالية منها!
لقد أشارت جميع الاستفتاءات واللقاءات والتحقيقات الصحفية بهذا الشأن إلى أن الدروس الخصوصية أصبحت تشكل عبئاً مالياً على الأسر والأهالي، وأنها قد أصبحت شراً لا بد منه، خاصة في ظل انتشارها المخيف الذي جعل منها مؤسسات تعليمية موازية لمؤسسات التعليم الرسمية!
دخول التعليم السوق الاستهلاكي بهذا الشكل يؤكد، وبشكل قاطع، حجم الخلل في المؤسسات التعليمية بشكل عام! وينذر بعواقب وخيمة على مجمل عملية التنمية، باعتبار أن الفرد المتعلم جيداً هو أهم عناصر التنمية، لكنه – أي التعليم – بقي وبكل أسف بعيداً عن البرامج والمشاريع السياسية وليس مربوطاً أبداً بالأمن القومي للدولة، على الرغم من أن أبجديات الأمن القومي تنص على كونه مجموعة الإجراءات والأنظمة التي تكفل حماية الوطن من أخطار تهدد استقراره واستقلالية قراره وسلامة أراضيه، وبتصوري أن التعليم يعتبر أحد أهم مقومات تلك الإجراءات!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى